
د.صالح زيّاد
@SalehZayyad • 27,105 subscribers
أستاذ النقد الأدبي بجامعة الملك سعود سابقاً، والرئيس المؤسِّىس لجمعية الأدب المهنية.
Videos

يمكن النظر إلى الهجوم الواسع على هذا المقطع من منظور ثقافي، قبل النظر إليه من منظور فني أو جمالي. لا يبدو النص الذي تلقيه السيدة، هنا، راغباً من الأساس في الانتساب إلى النموذج الشعري الذي يستحضره منتقدوها؛ فهو أقرب إلى كلام غنائي حر، ينتمي إلى فضاء آخر له تقاليده ووظيفته وشروط تلقيه. ولذلك فالمشكلة ليست في نقده، فكل نص قابل للنقد، وإنما في محاكمته بمعايير شعر لا يدّعي الانتماء إليه، ثم اتخاذ خروجه عن تلك المعايير دليلاً على بطلان حقِّه في الظهور. ومن هنا يمكن قراءة جانب من الهجوم على أنه صراعٌ على المنبر وعلى حق التسمية: من يحق له أن يقف في هذا الموضع ويقول "هذا شعر"؟ومن يملك سلطة إدخال الأصوات إلى المجال الأدبي أو إخراجها منه؟ فالسخرية التي قرأناها لدى كثير من المعلِّقين لا تقوِّم النص وحده، بل تتحول إلى فعل حراسة للحدود، وتنقية للمجال من أصوات لا تلتزم بالقواعد التي استقر عليها ذوق فئة بعينها. ثم إن النص ينتمي، في موضوعه ولغته، إلى منطقة واسعة من الشعر الغنائي؛ وهي منطقة لا تتطابق فيها القيمة الأدبية مع النجاح الغنائي. فليست كلمات أغنية طلال الشهيرة "عيونك قطَّعت قلبي كما حبحب على السكين" فاشلة غنائياً، مثلما لم تكن "أنشودة المطر" للسياب من الأغاني الناجحة لمحمد عبده. وهذان المثالان يكشفان أن المسافة الكبيرة بين كلمات يسلم بن علي، وكلمات السياب في ميزان النخبة الأدبية، لم تنعكس بالتساوي على نجاحهما الجماهيري في الغناء. فالجماهيرية، إذن، ليست برهاناً على الجودة الشعرية، ولا الجودة الشعرية ضماناً للجماهيرية الغنائية؛ فلكل مجال شروط اشتغاله. وهناك وجه ثالث متعلق بغزل المرأة، فلم يلتفت أحدٌ من المهاجمين إلى أن المرأة حين تتغزل تصنع حدثاً فارقاً ثقافياً؛ فهي لا تكتفي بعكس الأدوار المألوفة في الغزل، بانتقالها من موضوعٍ يتغزل فيه الرجل إلى ذاتٍ تتغزل وتُفصح عن عاطفتها، بل تثير سؤالاً ثقافياً أهم: ماذا تضيف أنوثتها إلى خطاب الغزل؟ هل تُنتِج رؤيةً مغايرة للمنظور الذكوري الذي تشكّل الغزل في ظله طويلاً، أم تعيد إنتاج ذلك المنظور نفسه، فتتكلم بصوتٍ صاغ الرجل منطقه وصوره وقيمه؟ هنا تصبح المسألة أبعد من هوية القائل؛ إنها تتصل بهوية الخطاب نفسه. الواقعة، إذن، أوسع من مجرد الحكم بالجودة أو الرداءة. إنها تكشف أيضاً عن معايير الشرعية الأدبية، وحدود الأجناس، وسلطة الذائقة، وحق الأصوات الجديدة في المنبر، وما يحدث للخطاب حين تتغير هوية المتكلم: هل يضيف صوت المرأة إلى الغزل منظوراً مغايراً، أم يعيد إنتاج المنطق الذكوري نفسه بصوت أنثوي؟
د.صالح زيّاد166,797 Aufrufe • vor 1 Monat
Keine weiteren Inhalte verfügbar