
فارس العجمي
@IFALajmi • 16,485 subscribers
(جوهر مفارق لمادة التقليد، مسافر من الخلق إلى الحق بالحق) أغرد عن العلوم العقلية وأخاطب المتخصصين فقط. للتواصل: [email protected] || الخاص للرجال فقط.
Shorts
العلم في رأسك وقلبك ليس كالعلم في الورق وعند التكلم به؛ لذا مما ينبغي لك قبل تأليف كتاب أو إلقاء درس، أن تتكلم بمضمونه مع بعض من يتيسر لك الكلام معهم فيه، حتى وإن كان مثقفًا لا متخصصًا، فقد ينبهك لأمر أنت عنه غافل، والأجل من هذا أنه حال التكلم بالفكرة يظهر لك من المعاني ما لم يخطر لك ببال، وتأتيك من التقريرات والأمثلة المقربة ما لم يرتسم لك في خيال! وهذا مما أعمل به بحسب الإمكان والطاقة، أعني الكلام مع الأفاضل بمضمون كتاب لي أو بحث أو محاضرة سألقيها، فإن لم أجد منهم فائدة وما أكثر فوائدهم، وجدتها من المعاني التي تهجم على القلب والخاطر حال الكلام بها. وأحب أن أستطرد إلى أعم من ذلك وأقول: المسالك المعتبرة في التحصيل هي: الدرس وهو أول المراتب. ثم التدريس وتعليم الغير، وكم في إلقاء العلم من فوائد للمتكلم به ما ليس في غيره، فعلمك بالشيء مقام، والبيان عنه مقام آخر، ووجدت في نفسي وغيري أن بعض المسائل نفهمها صحيحا، لكن نبينها حال الكلام بها لا سيما حال الارتجال بعبارات تدل على خلاف مقصودنا، فكما أن العلم ملكة راسخة، فكذا بيان العلم لا بد من محاولته حتى يصير ملكة راسخة، ولذا من يدرس العلم تجد عباراته حين التكلم به أضبط من عبارة من لا يدرس. وكذلك في اعتراضات الطلبة من الفوائد والعوائد، أقلها التنبه لكون عبارتك لم يحصل بها المقصود من ارتسام الصورة العلمية في ذهن هذا الطالب، فتبدل له العبارة فتجد أنها نفعته. وذكر لي شيخي الفاضل عبد الرزاق المحمد -أعلى الله رتبته في الدراين- أن في بعض مدارس الأكراد التي درس هو فيها لا يتخرج الطالب إلا وقد درّس الكتاب الذي درسه لغيره، فكل كتاب درسه لا بد وأن يدرسه للمستجدين من الطلبة. ثم التأمل وتقليب المسألة في القلب، ويقويه المسلك الذي يليه وهو: البحث والمراجعة وتقليب الأسفار والأوضاع العلمية والمقارنة والنقد، وما أنفع هذه المرتبة ولعلي أتكلم عنها لاحقا. ثم التأليف، وهو وإن كان في الظاهر توثيق لما وقع لك فيما تقدم، إلا أن الكتابة ضرب من التفكير في المسائل، والمسألة في ذهنك على صورة وحال الكتابة على صورة أخرى، وقد ذكرت لفاضل قبل أيام في اتصال خاص، أني كنت أعمال على بحث وكنت أظن أصعب ما فيه القسم المعين التاريخي، وأسهل ما فيه شق آخر منه، فلما عملت عليه وجدت أن الأمر بالعكس! فالقسم التاريخي القليل المعلومات= تيسر لي على وجه عجيب ووقفت على فوائد تتصل به ما كنت أظن أنها تتيسر بسهولة ولله المنة والفضل، وأما القسم السهل فبان أنه ليس بسهل وأنه وهم شائع في كتب العلم، وتتبعه سيأخذ وقتا أكثر من غيره. فالعلم شيء، ورقمه في بحث شيء آخر، ويظهر لك من الخطأ والنقص في تصورك ما لم يظهر لك من قبل. وهذا يبين لك خطأ ظن بعض الناس أن أمر التوثيق للمعلومات أمر شكلي في البحث، فكم من معلومة في أذهاننا لما أردنا توثيقها على قانون التوثيق المعتبر من رد ذلك للمصادر الأصلية بان أنها غلط ووهم ولا مستند لها، ولكنها تكررت في الكتب فلما تكررت تقررت، وهي غلط ووهم.
12,544 просмотров