ممدوح الدويش العنزي's banner
ممدوح الدويش العنزي's profile picture

ممدوح الدويش العنزي

@daweishalanazy1 • 5,927 subscribers

من شداة النحو والصرف والبلاغة #كلية_الشريعة_والدراسات_الإسلامية #كلية_الحقوق #عدو_الذكاء_الاصطناعي #صعلوك_القلم #جمعية_سيبويه_النحوية #ممدوح_الدويش_العنزي

Shorts

من باب خديجة الحديثي إلى كتاب سيبويه في حقيقة الأمر، حرمت من مواصلة التعليم الأكاديمي لأسباب اجتماعية لم تكن لي يد فيها. وكان من الممكن، لو جرت المقادير على غير ما جرت عليه، أن أكون طالبا جامعيا سنة 1972، قبيل بلوغي العشرين، وكانت جامعة الكويت يومئذ فتية لم يمض على تأسيسها سوى ستة أعوام. غير أن الحرمان من مقاعد الجامعة لم يحرمني شغفي بالعلم، ولم يطفئ في نفسي جذوة القراءة؛ فمنذ الصغر كنت مغرما بالقراءة العامة، أقرأ ما يقع تحت يدي، وأتنقل بين العلوم والآداب من غير منهج محكم، فكنت قارئا وحاطب ليل في آن واحد، أجمع النافع وغيره، مدفوعا بفضول لا يهدأ، وطموح لا يعرف الطريق بعد، ولكنه يعرف الغاية. وفي بعض تلك الأيام حضرت أمسية عن العربية، كانت تحاضر فيها الأستاذة الدكتورة خديجة الحديثي، رحمها الله تعالى، وهي من هي في تخصصها، ولا سيما عنايتها بإمام النحاة سيبويه ودراساتها الجادة لكتابه وأبنية الصرف. وبعد الأمسية دفعتني جرأة الشباب، أو قل عبثه الجميل، إلى أن أتقدم منها. لم أكن أحمل شهادة تؤهلني، ولا تزكية أكاديمية تعرف بي، وإنما أحمل رغبة صادقة ونفسا متطلعة. عرضت عليها أن أتعلم كتاب سيبويه، وأن أسلك في طلب العربية طريقا يجمع بين درس العلم وتذوق البيان، مستلهما سنن الرافعي ومحمود محمد شاكر وأحمد حسن الزيات. ولكن عرضي لم يلق قبولا، بل قوبل بما شعرت معه بالاستهزاء والاشمئزاز والاستهانة. ولعل السؤال الذي قام في نفسها آنذاك كان: أيكون هذا الفتى، المحروم من التعليم النظامي، كفئا لأن يطرق باب كتاب سيبويه، ذلك الكتاب الذي تهيبته أجيال من الدارسين، واحتاج فهمه إلى صبر طويل وآلة علمية راسخة؟ قفلت خائبا، وفي النفس مرارة لا أنكرها. غير أن الخيبة لم تكن خاتمة الطريق؛ فقد يكون انغلاق الباب الأول امتحانا لصدق الطالب، لا حكما نهائيا على أهليته. وما كان طموحي إلى العربية صبوة عابرة، ولا كان تعلقي بكتاب سيبويه نزوة مجلس تنطفئ بانفضاضه؛ بل ظل الشوق يعمل في النفس حتى هيأت إرادة الله وقدرته للشروع ما لم أكن أحسبه ممكنا. وكان الفضل، بعد الله تعالى، لشيخ المحققين الأستاذ عبدالسلام محمد هارون، رحمه الله، الذي تشفع لي عند الدكتورة خديجة الحديثي، ففتح لي بابا كاد يوصد في وجهي. ثم أمضيت قارئا لكتاب سيبويه قرابة سبعة أعوام، ومستمعا إلى الدكتورة في مقر سكنها الجامعي في الشويخ. وهكذا تحولت لحظة الصد والخيبة إلى صحبة علمية طويلة، وصار الفتى الذي استبعدت كفايته أول الأمر ملازما لدرسها، يصبر على عبارة سيبويه، ويتتبع أبوابه، ويستمع إلى شرح عالمة أفنت جانبا كبيرا من عمرها في خدمته. ولم يكن موقف عبدالسلام هارون مجرد وساطة عابرة، بل كان درسا في وظيفة العالم المحقق: أن يفتح الطريق أمام صاحب الرغبة، وألا يجعل غياب الشهادة الأكاديمية حكما بإعدام الأهلية العلمية. فكم من طالب حرمته الظروف أبواب الجامعات، ولم تحرمه الفطرة حب العلم، ولا الإرادة الصبر عليه! وكم من حامل شهادة لم يحمل هم المعرفة، في حين أفنى غير الأكاديمي أعواما من عمره في طلبها! ثم قيض الله لي الدكتور عبدالكريم اليافي، رحمه الله تعالى، فكان له فضل تيسير علم البيان وأصول النقد، حتى اتصل درس النحو عندي بذوق الأدب، واتصل فهم العبارة بميزان النقد. وهكذا اتضحت معالم الطريق: سيبويه لضبط اللسان وفهم نظام العربية، والرافعي لتذوق جلال البيان، ومحمود شاكر للصبر على النص وصيانة منهج قراءته، والزيات لتهذيب المقالة وإحكام العبارة، واليافي لفتح منافذ البيان والنقد. لست أكاديميا، ولا أزعم لنفسي ما ليس لي، ولكنني طالب علم حالت الظروف بينه وبين الجامعة، فلم تحل بينه وبين الكتاب. وما بين ذلك الفتى الذي قفل خائبا من مجلس الدكتورة خديجة الحديثي، والرجل الذي أمضى سبعة أعوام مع كتاب سيبويه، قصة تقول إن الأهلية لا تمنحها الشهادات وحدها، وإنما يصنعها صدق الطلب وطول الملازمة والصبر على وعورة الطريق. رحم الله خديجة الحديثي؛ فقد كان صدها الأول مؤلما، ولكن علمها بقي في النفس. ورحم الله عبدالسلام هارون الذي أبصر في الرغبة ما يستحق الشفاعة، ورحم الله عبدالكريم اليافي الذي يسر لي البيان وأصول النقد. #خديجة_الحديثي #عبدالسلام_هارون #عبدالكريم_اليافي #سيبويه #كتاب_سيبويه #اللغة_العربية ممدوح الدويش العنزي دولة الكويت – محافظة الجهراء ثم التحقت بهذه الجامعة ولم أتخرج بعد " راسب ويبقى للإعادة" ؟!!

من باب خديجة الحديثي إلى كتاب سيبويه في حقيقة الأمر، حرمت من مواصلة التعليم الأكاديمي لأسباب اجتماعية لم تكن لي يد فيها. وكان من الممكن، لو جرت المقادير على غير ما جرت عليه، أن أكون طالبا جامعيا سنة 1972، قبيل بلوغي العشرين، وكانت جامعة الكويت يومئذ فتية لم يمض على تأسيسها سوى ستة أعوام. غير أن الحرمان من مقاعد الجامعة لم يحرمني شغفي بالعلم، ولم يطفئ في نفسي جذوة القراءة؛ فمنذ الصغر كنت مغرما بالقراءة العامة، أقرأ ما يقع تحت يدي، وأتنقل بين العلوم والآداب من غير منهج محكم، فكنت قارئا وحاطب ليل في آن واحد، أجمع النافع وغيره، مدفوعا بفضول لا يهدأ، وطموح لا يعرف الطريق بعد، ولكنه يعرف الغاية. وفي بعض تلك الأيام حضرت أمسية عن العربية، كانت تحاضر فيها الأستاذة الدكتورة خديجة الحديثي، رحمها الله تعالى، وهي من هي في تخصصها، ولا سيما عنايتها بإمام النحاة سيبويه ودراساتها الجادة لكتابه وأبنية الصرف. وبعد الأمسية دفعتني جرأة الشباب، أو قل عبثه الجميل، إلى أن أتقدم منها. لم أكن أحمل شهادة تؤهلني، ولا تزكية أكاديمية تعرف بي، وإنما أحمل رغبة صادقة ونفسا متطلعة. عرضت عليها أن أتعلم كتاب سيبويه، وأن أسلك في طلب العربية طريقا يجمع بين درس العلم وتذوق البيان، مستلهما سنن الرافعي ومحمود محمد شاكر وأحمد حسن الزيات. ولكن عرضي لم يلق قبولا، بل قوبل بما شعرت معه بالاستهزاء والاشمئزاز والاستهانة. ولعل السؤال الذي قام في نفسها آنذاك كان: أيكون هذا الفتى، المحروم من التعليم النظامي، كفئا لأن يطرق باب كتاب سيبويه، ذلك الكتاب الذي تهيبته أجيال من الدارسين، واحتاج فهمه إلى صبر طويل وآلة علمية راسخة؟ قفلت خائبا، وفي النفس مرارة لا أنكرها. غير أن الخيبة لم تكن خاتمة الطريق؛ فقد يكون انغلاق الباب الأول امتحانا لصدق الطالب، لا حكما نهائيا على أهليته. وما كان طموحي إلى العربية صبوة عابرة، ولا كان تعلقي بكتاب سيبويه نزوة مجلس تنطفئ بانفضاضه؛ بل ظل الشوق يعمل في النفس حتى هيأت إرادة الله وقدرته للشروع ما لم أكن أحسبه ممكنا. وكان الفضل، بعد الله تعالى، لشيخ المحققين الأستاذ عبدالسلام محمد هارون، رحمه الله، الذي تشفع لي عند الدكتورة خديجة الحديثي، ففتح لي بابا كاد يوصد في وجهي. ثم أمضيت قارئا لكتاب سيبويه قرابة سبعة أعوام، ومستمعا إلى الدكتورة في مقر سكنها الجامعي في الشويخ. وهكذا تحولت لحظة الصد والخيبة إلى صحبة علمية طويلة، وصار الفتى الذي استبعدت كفايته أول الأمر ملازما لدرسها، يصبر على عبارة سيبويه، ويتتبع أبوابه، ويستمع إلى شرح عالمة أفنت جانبا كبيرا من عمرها في خدمته. ولم يكن موقف عبدالسلام هارون مجرد وساطة عابرة، بل كان درسا في وظيفة العالم المحقق: أن يفتح الطريق أمام صاحب الرغبة، وألا يجعل غياب الشهادة الأكاديمية حكما بإعدام الأهلية العلمية. فكم من طالب حرمته الظروف أبواب الجامعات، ولم تحرمه الفطرة حب العلم، ولا الإرادة الصبر عليه! وكم من حامل شهادة لم يحمل هم المعرفة، في حين أفنى غير الأكاديمي أعواما من عمره في طلبها! ثم قيض الله لي الدكتور عبدالكريم اليافي، رحمه الله تعالى، فكان له فضل تيسير علم البيان وأصول النقد، حتى اتصل درس النحو عندي بذوق الأدب، واتصل فهم العبارة بميزان النقد. وهكذا اتضحت معالم الطريق: سيبويه لضبط اللسان وفهم نظام العربية، والرافعي لتذوق جلال البيان، ومحمود شاكر للصبر على النص وصيانة منهج قراءته، والزيات لتهذيب المقالة وإحكام العبارة، واليافي لفتح منافذ البيان والنقد. لست أكاديميا، ولا أزعم لنفسي ما ليس لي، ولكنني طالب علم حالت الظروف بينه وبين الجامعة، فلم تحل بينه وبين الكتاب. وما بين ذلك الفتى الذي قفل خائبا من مجلس الدكتورة خديجة الحديثي، والرجل الذي أمضى سبعة أعوام مع كتاب سيبويه، قصة تقول إن الأهلية لا تمنحها الشهادات وحدها، وإنما يصنعها صدق الطلب وطول الملازمة والصبر على وعورة الطريق. رحم الله خديجة الحديثي؛ فقد كان صدها الأول مؤلما، ولكن علمها بقي في النفس. ورحم الله عبدالسلام هارون الذي أبصر في الرغبة ما يستحق الشفاعة، ورحم الله عبدالكريم اليافي الذي يسر لي البيان وأصول النقد. #خديجة_الحديثي #عبدالسلام_هارون #عبدالكريم_اليافي #سيبويه #كتاب_سيبويه #اللغة_العربية ممدوح الدويش العنزي دولة الكويت – محافظة الجهراء ثم التحقت بهذه الجامعة ولم أتخرج بعد " راسب ويبقى للإعادة" ؟!!

12,547 görüntüleme