#محمُود_خليل_

(الخطوةُ التي لم يتوقَّف صداها) تُوفِّي الشيخُ #محمُود_خليل_ الحُصريُّ مساءَ الاثنين، السادسَ عشرَ من المحرَّم سنةَ ١٤٠١هـ، الموافقَ ٢٤ نوفمبر ١٩٨٠م، عقب صلاة العشاء. وقبل وفاته بنحو عشرين عامًا، كان اللهُ قد اختار له سابقةً لم تُكتب لقارئٍ قبله؛ ففي ٢٣ يوليو ١٩٦١م اكتمل إخراجُ أوَّل مصحفٍ مرتَّلٍ مسجَّلٍ كاملٍ في تاريخ الإسلام بصوته، برواية حفصٍ عن عاصمٍ. ومنذ تلك اللحظة، قبل خمسةٍ وستِّين عامًا، لم يتوقَّف الأثر عند أسطواناتٍ وُزِّعت أو تلاوةٍ أُذيعت؛ بل فُتح بابٌ جديدٌ في تاريخ خدمة القرآن. دخل من ذلك الباب قرَّاءُ أمَّة محمَّدٍ ﷺ من بعده، فتتابعت المصاحفُ المرتَّلة والمجوَّدة والمعلِّمة، وتعدَّدت الأصواتُ والرواياتُ ووسائلُ التسجيل والنشر. وما من ختمةٍ كاملةٍ سُجِّلت بعد ختمته إلَّا وهي — من جهة فتح الطريق وتعبيده — امتدادٌ لتلك الخطوة المباركة الأولى؛ فقد دلَّ الحُصريُّ بصوته، ولبيبُ السعيد بفكرته، والقائمون على المشروع بعملهم، على إمكان حفظ الأداء القرآنيِّ ونقله إلى ملايين المسلمين بصوت قارئٍ واحدٍ من الفاتحة إلى الناس. وقد مضى على وفاة الحُصريِّ ستةٌ وأربعون عامًا، لكنَّ مساحة تأثيره لا تزال تتمدَّد، ولا سيَّما في أقطار أفريقيا وبلاد رواية ورش. وقد عرفتُ من قرابَتي امرأةً توفِّيت منذ سنواتٍ وقد جاوزت الثمانين؛ حفظت القرآنَ وضبطت روايةَ ورشٍ على صوته، وكان لها مع مصحفه وردٌ يوميٌّ لا تتركه حتَّى توفَّاها الله. لم تر الشيخَ، لكنَّ صوته صحبها أعوامًا، وأسهم في إقامة كتاب الله في صدرها. وكم وراء هذه القصَّة من حكاياتٍ لا نعرفها، ويعلمها اللهُ، ويجري ثوابُها على صاحب ذلك الصوت. لكنَّ #الحُصريَّ لم ينزل من السماء قارئًا مكتملًا؛ وراءه بيتٌ متواضعٌ، وأبٌ مكافحٌ، وسنواتٌ من الحفظ والدَّرس والرياضة، وشيوخٌ لقَّنوا وصحَّحوا وأجازوا، ومشجِّعون أخذوا بيده، ولجنةٌ من علماء القراءات كانت تستوقفه ليعيد التسجيل حتَّى يبلغ الغايةَ المطلوبة من الإتقان. ثمَّ جاءت فكرةُ الدكتور #لبيب_السعيد، فحملها سنواتٍ، وطاف بها على الأبواب، وأقنع المسؤولين بضرورة حفظ القرآن صوتيًّا. وناصرها شيخُ الأزهر #محمود_شلتوت، وتبنَّاها وزيرُ الأوقاف #أحمد_عبد_الله_طعيمة، وأسهم العلماءُ والفنيُّون وأصحابُ المال والصناعة في إخراجها، ووضع #محمد_فوزي مصنعَ أسطواناته في خدمة المشروع بلا ربح. وهكذا تولد الأعمالُ الكبرى: رجلٌ يقرِّر الفكرة، وآخرُ يحملها، وثالثٌ يفتح لها بابًا، ورابعٌ يبذل مالًا، وخامسٌ يشجِّع؛ ثمَّ يظهر اسمٌ واحدٌ للناس، وتبقى بقيةُ الأسماء محفوظةً عند الله. فالعاقلُ إذا رأى فكرةً طيِّبةً لم يبخل عليها بشيء: بمالٍ، أو رأيٍ، أو تعريفٍ، أو تشجيعٍ، أو ثناءٍ ودعاءٍ للموفَّقين؛ لعلَّه يحضر معهم قسمةَ الثواب. فقد قال المهاجرون للنبيِّ ﷺ: ذهب الأنصارُ بالأجر كلِّه، فقال: «لا، ما دعوتم اللهَ لهم، وأثنيتم عليهم». فربَّ كلمةٍ ثبَّتت صاحبَ مشروع، وربَّ يدٍ دفعت عنه عائقًا، وربَّ دعوةٍ صادقةٍ ألحقت قائلَها بركب العاملين. وختمةُ الحُصريِّ شاهدٌ باقٍ على أنَّ العملَ الذي يبدأه نفرٌ قليلٌ قد يصير طريقًا تمشي فيه أمَّةٌ كاملة. ومن رحمةِ الله بالصادقينَ في #التمنّي أن يُبلِّغهم بنيّاتهم منازلَ العاملين؛ ففي حديث الأربعة نفر ذكر النبيُّ ﷺ رجلًا رزقه اللهُ مالًا وعلمًا فعمل فيهما بطاعته، ورجلًا رزقه علمًا ولم يرزقه مالًا، فقال صادقًا: «لو أنَّ لي مالًا لعملتُ بعمل فلان»، فقال ﷺ: «فهو بنيَّته، فأجرُهما سواءٌ». فربَّ رجلٍ تمنَّى بصدقٍ أن يكون كالحُصريِّ في نفع الله به، وعلم اللهُ أنَّه لو أوتي أسبابَه لبذلها، فيبلِّغه بنيَّته منازلَ النافعين، ويكتب له من الأجر مثلَ أجر العامل. لكنَّ للأمنيَّة #الصادقة شاهدًا من العمل؛ فمن زعم أنَّه يتمنَّى أثرَ الحُصريِّ، وهو هاجرٌ للقرآن، جاهلٌ به، لا يجعل تعلُّمَه وتعليمَه في مقدِّمة اهتماماته، فإنَّه يخدع نفسه، ولا يتمنَّى الخيرَ بصدق، وإنَّما يتمنَّى على الله الأمانيَّ. فليس الصادقُ من #يتخيَّل الثمرةَ وهو معرضٌ عن بذرتها، بل من #يعمل بما يستطيع، ويتحرَّق لما عجز عنه؛ وصدقُ النيَّة يظهر فيما تفعله عند القدرة، لا فيما تدَّعي أنَّك ستفعله لو مُنحت أسبابَ العظماء
بُـغْـيَةُ الْأَرِيبِ45,331 views • 10 days ago
No more content to load