Loading video...

Video Failed to Load

Go Home

هذه المحاضرة تغني عن مئات الدورات. للدكتور : خالد السبت، جزاه الله خيراً عن أخلاق الكبار ، نحتاجها جميعاً ..

53,975 views • 4 days ago •via X (Twitter)

7 Comments

الأصالة's profile picture
الأصالة3 days ago

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين؛ حمداً عدد ما خلق، والحمد له ملء ما خلق، والحمد له عدد ما في السماوات والأرض، ربنا لك الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد. اللهم أنت أحق من ذُكر، وأحق من عُبد، وأنصر من ابتُغي، وأرأف من مَلك، وأجود من سُئل، وأوسع من أعطى؛ أنت الملك لا شريك لك، والفرد لا ند لك، كل شيء هالك إلا وجهك؛ لن تطاع إلا بإذنك، ولن تعصى إلا بعلمك؛ أقرب شهيد، وأدنى حفيظ؛ حُلتَ دون النفوس، وأخذت بالنواصي، وكتبت الآثار، ونسخت الآجال؛ القلوب لك مفضية، والسر عندك علانية؛ الحلال ما أحللت، والحرام ما حرمت، والدين ما شرعت، والأمر ما قضيت، والخلق خلقك، والعبد عبدك، وأنت الله الرؤوف الرحيم. تمّ نورك فهديت فلك الحمد، عظم حلمك فعفوت فلك الحمد، بسطت يدك فأعطيت فلك الحمد؛ تُطاع ربنا فتشكر، وتُعصى ربنا فتغفر، وتجيب المضطر، وتكشف الضر، وتشفي السقم، وتغفر الذنب، وتقبل التوبة، ولا يجزي بآلائك أحد إلا أنت. لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم. وأصلي وأسلم على خير رسله محمد صلى الله عليه وسلم، صاحب الحوض المورود، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أيها الإخوان: حديثنا معكم في هذه الليلة عن «أخلاق الكبار»؛ وإنما نعني بالكبار: أصحاب النفوس الكبيرة، الذين يحلّقون عالياً، ويترفعون عن الدنايا وسفساف الأمور، فتعلو هممهم عن الدوران في الوحل والحضيض، ويسمقون عالياً؛ فلا يدور الواحد منهم حول نفسه: ترضيه الكلمة، وتغضبه الكلمة، ويعجبه المدح، ويسوءه الذم؛ يقاطع هذا لأنه ذمّه، ويحب هذا لأنه مدحه، ويعادي هذا لأنه جرحه، يدور مع نفسه حيث دارت: يرضى من أجلها، ويسخط من أجلها، يحب لها، ويغضب لها؛ فهذا صاحب نفس دنيّة، رضي بأن يكون مع نفسه في الهاوية، وحرم نفسه جنة قبل جنة الآخرة، وهي انشراح الصدر، والأنس والسعادة التي تحصل بالترفع والعلو عن الدنايا وسفساف الأمور. هؤلاء هم الكبار الذين سنتحدث أيها الإخوان عنهم: هم أصحاب النفوس الكبيرة. ولا أعني بالكبار: من تقدم بهم السن وطال بهم العمر، ولا أعني بهم: من تبوؤوا المناصب العالية وحصلوا الرتب الرفيعة؛ إنما أتحدث عن أصحاب نفوس كبرى، وصدور واسعة، لا يلتفتون إلى أنفسهم، ولا يقفون عندها، وإنما تعنيهم المصالح الكبرى للإسلام. فهؤلاء حريٌّ بنا أن نتحدث عن أخلاقهم وأوصافهم، وأن نشيع هذا الحديث. فهذا الموضوع أيها الإخوان أطرحه لشدة الحاجة إليه؛ نحن بحاجة إلى مذاكرته؛ لأننا كثيراً ما نغفل عن هذه المعاني: فكم من خِطبة قد فُسخت! وكم من أسرة قد شُتتت! وكم من محبة تحولت إلى عداوة! وكم من شراكة في عمل دنيوي أو في عمل دعوي قد تشتت وتشرذمت! وكم من علاقات قد تقطعت أواصرها! بسبب تدني النفوس، بسبب الوقوف عند حظ النفس؛ فيرضى الإنسان لأجلها، ويغضب لأجلها. يكون الإنسان منتصراً لنفسه على أي حال كان، ولا يقبل من أحد أن يصدر منه تجاهه خلل ولا تقصير ولا نقص؛ وإن حصل شيء من ذلك: فلا عفو، ولا مسامحة، ولا تذكر لصنائع المعروف القديمة، وأواصر المحبة والروابط التي جمعت بين هؤلاء المتحابين؛ ينسى ذلك جميعاً وينقلب رأساً على عقب، مبغضاً شائناً لهذا الإنسان الذي تصوّر أنه تنقّصه، وأنه قصر في حق من حقوقه! لماذا هذا التدني أيها الإخوان؟ لماذا يجعل الإنسان نفسه بهذه المثابة؟ أقول أيها الإخوان: هو الركون إلى أصل خِلقته ومادته الأولى التي خُلق منها، وهي الطين؛ فالإنسان خُلق من عنصرين اثنين: قبضة من طين، ونفخة من الروح. فإذا ركن الإنسان إلى أصل مادته وهي الطين، فإنها تجذبه وتشده إلى أسفل، فتتدنى أخلاقه، وتسوء، ويصدر منه ما لا يليق، وما يخجل العاقل منه إذا تبصّره وتذكّره. وإذا كسر الإنسان هذه الآصار والقيود والأغلال: حلّق عالياً، وارتفع، وتسامى بأخلاقه، فتجاوز نفسه وجعلها خلف ظهره؛ فلم يعد ذلك الإنسان الذي ترضيه الكلمة وتسخطه الكلمة، يتجاوز هذه المرحلة. ثم بعد ذلك يتعامل مع الآخرين بصدر واسع وبنفس كبيرة: يتحمل منهم الصدمات، والكدمات، والأخطاء، والعيوب؛ يتحمل منهم كل ما صدر تجاهه من تقصير في حقه الخاص. ولا يصلح أيها الإخوان لمن أراد أن يحصّل المراتب العالية إلا هذه الأخلاق. وهذا الأمر أيها الإخوان حينما نتحدث عنه، لا نوجه الحديث إلى قوم آخرين؛ إنما أوجه الحديث أيها الإخوة إلى نفسي أولاً، وأوجهه إليكم ثانياً؛ فلا يظنن أحد أن الخطاب بهذا الموضوع يُراد به غيره، بل أحضر قلبك، وفكّر في حالك، وكن ممن يسمع لينتفع وليغيّر؛ فجدد حياتك، ونقِّ أخلاقك، وقوّم سلوكك، وارجع إلى أهلك من هذه الليلة بوجه جديد، وارجع إلى أصحابك وقومك بوجه جديد وبنفس أخرى تتجاوز هذه الحظوظ الشخصية النفسانية التي تجعلك صغيراً. هذا الموضوع أيها الإخوان يخاطَب به العلماء، ويخاطَب به طلاب العلم، ويخاطَب به الدعاة إلى الله عز وجل، ويخاطَب به أصحاب الولايات: من الملوك، والرؤساء، والأمراء، وكل من له ولاية صغرت أم كبرت، ويخاطَب به الآباء والأمهات، ويخاطَب به المربون والمعلمون، وعامة الناس؛ يخاطَب به كل طالب من طلاب الكمال. لا أحد أيها الإخوان يرضى بحال من الأحوال أن يوصف بدناءة النفس، وأنه صغير منحط الهمة يعيش في عَطَن ضيّق ونفس صغيرة؛ لو وجّهت هذه الأوصاف لإنسان لغضب منك، وما احتمل ذلك، وأباه كل الإباء. وهذا يعني أيها الإخوان أن الجميع يتفقون على استحسان هذه الصفة، وهو الشأن أيها الإخوة في الحديث عن قضايا الأخلاق؛ فهو حديث جميل، حديث شيّق، تعشقه النفوس وتنجذب إليه. والرسل عليهم الصلاة والسلام لو كانت دعوتهم منصبة على الأخلاق فحسب دون القضايا الأخرى الكبرى -وهي قضايا التوحيد والشرك- لهتف الناس جميعاً يؤيدونهم ويتبعونهم؛ لأنه حديث يوافق عليه الجميع. وكان بعض العلماء -أعني الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله- يقول: «لو دعوتُ الناس إلى الأخلاق الحسنة، وترك القبائح كالزنا والسرقة، لَوافقني على ذلك الجميع»؛ فهو حديث يوافق عليه المؤالف والمخالف، كل الناس يستحسنون ذلك ويعشقون سماعه، ولكن التطبيق شيء آخر! التطبيق هو المَحَكّ الذي تتبدى فيه معادن الناس، وتنجلي فيه النفوس، وتظهر حقائقها؛ فليست العبرة أيها الإخوان بأن يستحسن الإنسان سماع خلق حسن، إنما العبرة بالعمل والتطبيق. ليست الأحلام في حال الرضا، إنما الأحلام في حال الغضب. ليست الأخلاق الفاضلة أن توزع ابتسامات في حال الرضا مع أصحابك وجلسائك، إنما الأخلاق الصحيحة الحقيقية هي أن تسمو بنفسك في جميع الظروف والأحوال، وتترفع عن الدنايا وسفساف الأمور. هذه هي الأخلاق التي ينبغي أن يكون الإنسان عليها. والله عز وجل قد وصف نفسه وسمى نفسه بالعفوّ، والعفو صفة من صفاته، وهي صفة عظيمة كريمة تعني التجاوز عن الذنب والزلة، وعدم المؤاخذة بالجريرة، وترك المعاجلة بالعقوبة؛ فهو عفوّ حليم كريم يحب العفو، فنسأله تبارك وتعالى أن يتغمدنا جميعاً بعفوه وكرمه ولطفه وحلمه. أيها الإخوان: ينبغي لكل واحد منا أن يسأل نفسه بعدما عرف توصيف هذه الخلّة: هل هو من أصحاب النفوس الكبيرة؟ هل هو متحلٍّ حقيقة بهذا الوصف الذي اجتمعنا من أجل الحديث عنه، أم أنه قد قصر في هذا الباب تقصيراً بيّناً، فأدى ذلك وأثّر أموراً سيئة مستهجنة: من عداوات، وأحقاد، وتربص لتصفية الحسابات مع هذا أو ذاك؟! أيها الإخوان: كثيراً ما يختلط علينا الأمر بين الانتصار للدين وبين الانتصار للنفس؛ أحياناً يخرج الإنسان غاضباً يريد الانتصار والانتقام، ويريد الإيقاع بخصومه ومخالفيه، ويخرج بوجه مكفهر وهو بذلك قد تلبّس وتدثّر بدثار يقول فيه إنه ينتصر للدين، والعقيدة، والإيمان، ويفعل ذلك غيرة على شرائع الإسلام؛ فيلتبس الأمر عليه بين الانتصار لنفسه وبين الانتصار لدين الله تبارك وتعالى. كما يلتبس كثيراً علينا أيها الإخوان أمر العزة، وأن المؤمن عزيز: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ كثيراً ما تلتبس هذه العزة -عزة النفس- مع الانتقام والرغبة في الاقتصاص ممن جنى علينا بعض الجنايات، فلربما صدر منا ما لا يليق تحت مظلة العزة -عزة المؤمن- وأنه لا يقبل الضيم، ولا يرضى بالظلم، وأنه ليس من الهوان في شيء، فينتصر لنفسه، ولربما بالغ في الانتصار تحت هذا المسمى: عزة المؤمن، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾؛ وما علم أن جميع الآيات القرآنية تذكر فضل العفو، والصفح، والمسامحة، والإغضاء: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾، ولكن من يطيق ذلك؟ ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾! ويأتيه الشيطان يحركه لينتصر لنفسه، زاعماً أن ترك هذا الانتصار أنه من العجز والخَوَر، وأن الناس يعيّرونه بالضعف ويلمزونه بالنقص: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾. فهذه الآيات خاطبنا الله عز وجل بها من أجل تقويم هذا السلوك، وتصحيح المفاهيم، وما هو الواجب المتعين على الإنسان، وما هو الفضل، وكيف يرتقي الإنسان بنفسه، وكيف يغلق على الشيطان مسالكه فلا يفسد عليه ما يرنو إليه من إصلاح القلب والعمل.

الأصالة's profile picture
الأصالة3 days ago

الجزء الثاني: نماذج من هدي الأنبياء والسلف (الإمام أحمد، وابن تيمية مع خصومه) أيها الإخوان: سأذكر لكم نماذج كثيرة تدلل دلالة أكيدة على أن ثَمّ قصوراً كبيراً وخللاً واضحاً على جميع المستويات: عند الدعاة إلى الله، وعند عامة الناس، وعند الأزواج، وعند الزوجات، وعند الجيران، وعند المربين، وعند المصلين، وفي جميع فئات المجتمع، إلا من رحم الله عز وجل؛ أمثلة تبين لك حالنا مع حال أولئك الذين قد ربّوا أنفسهم وتجاوزوا حظوظ النفس. ولم أعتنِ في هذا الحديث بالكلام على خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب؛ فهي خصائص كبرى، وأخلاقه صلى الله عليه وسلم ملخصة لنا بعبارة مختصرة: «كان خلقه القرآن» كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها. فماذا تظن في رجل كان خلقه القرآن إلا اتساع الصدر، ومجاوزة حظوظ النفس، والترفع عن الأخلاق الدنية السافلة الهابطة؟ فلو تحدثنا عن أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وسعنا هذا المجلس. ثم إن تخصيص الحديث عن أخلاقه صلى الله عليه وسلم في هذا الباب خاصة، لربما يكون مدخلاً لقائل حيث يقول: «هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد نزع الله عز وجل منه حظ الشيطان وهو صغير صبي مسترضَع في بني سعد؛ أخرج منه علقة حينما شُقّ صدره صلى الله عليه وسلم، ثم شُق صدره صلى الله عليه وسلم ثانية في قصة الإسراء والمعراج، وغُسل قلبه صلى الله عليه وسلم ولغاديده بماء زمزم في طست من ذهب فطُهّر تطهيراً؛ فمن كان بهذه المثابة فلا شك أنه أعظم الناس خُلقاً، وأكثرهم حِلماً، وأطيبهم نفساً». فقد يحتج محتج فيقول: «هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد طهّره الله هذا التطهير، فأنّى لنا بذلك؟!». ولهذا ذكرتُ نماذج أخرى من حال سلفنا الصالح رضي الله تعالى عنهم في أبواب شتى؛ لئلا يكون لمعترض اعتراض أو حجة، والمقصود هو أن نعالج النفوس أيها الإخوان ونقطع دابر الشيطان. فأقول أيها الإخوان: ذكرتُ نماذج قليلة من حال رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور معينة قصداً؛ من أجل أن هذه الأمور لو كانت مع غير رسول الله صلى الله عليه وسلم لربما ردّها بعض من لا زالت نفوسهم تعاني من الرواسب الجاهلية، ولربما لو نسبت إلى غير رسول الله صلى الله عليه وسلم لربما تجرأ بعض هؤلاء إلى لَمْزِ من وقع ذلك منه، كما سترون في أمثلة أوردها في هذه المحاضرة. اختبر نفسك حينما تختلف مع قوم في مسائل علمية من قضايا الاعتقاد، من أهل الأهواء والبدع والضلالات؛ فهؤلاء كما هي عقيدة أهل السنة والجماعة: أن من كان الإيمان منخرماً في قلبه فإنه لا محل لموالاته: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، فالكافر لا محل لموالاته. وأما من جمع بين عمل صالح وسيئ في باب الشبهات (البدع والضلالات) أو في باب الشهوات (كالمعاصي)، فإن هؤلاء يتجزأ الولاء والبراء معهم؛ فعقيدة أهل السنة والجماعة محكمة في هذا الباب: أن نحب الإنسان على قدر ما فيه من الإيمان واتباع السنة، ونبغض الإنسان على قدر ما فيه من الانحراف والضلال والبعد عن طاعة الله عز وجل. ونحن يختلط علينا الأمر أيها الإخوان حينما نقف وجهاً لوجه مع من ابتُلوا بشيء من التقصير في حق الله عز وجل بسبب شبهة أو شهوة؛ فيظن الظانّ أنه أحياناً يتصرف التصرف الشرعي انتصاراً للدين، والواقع أنه ينتصر لنفسه! ربما قال بعض هؤلاء في حق فلان من الناس قولة لا تليق، لربما أساؤوا إليه، ووقعوا في عرضه؛ فبلغه ذلك، فشمّر عن ساعد الجد ينتصر لنفسه، ويُجلِب عليهم بخيله ورَجِله وهو يزعم أنه ينتصر للدين، ويدافع عن التوحيد والعقيدة والإيمان! وقد يكون الأمر خلاف ذلك، فهو يدافع عن حظه وشهوته ونفسه. هذا الإمام أحمد رحمه الله: لما وقعت فتنة القول بخلق القرآن؛ حُبس، وجُرجر، وضُرب، واضطُهد، يُضرب في وسط نهار رمضان في الحر وهو صائم حتى يفقد وعيه، ثم بعد ذلك يُنقل إلى موضعه في السجن وآثار الدماء قد لطخت ثيابه، وهو الإمام أحمد إمام أهل السنة والجماعة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، إمام زمانه؛ ومع ذلك لم ينتصر لنفسه، ولم يغضب لنفسه، وإنما كان يغضب لله جل جلاله. كان يقول بعد ذلك: «كل من ذكرني فهو في حِلّ»، ويقول: «وقد جعلتُ أبا إسحاق -يعني المعتصم، وهو الذي ضربه وجلده- جعلتُ أبا إسحاق في حِلّ، ورأيتُ الله يقول: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالعفو في قصة مسطح في قصة الإفك، ثم قال: وما ينفعك أن يعذب الله أخاك المسلم في سبيلك؟!». الإمام أحمد بعدما أُوذي هذا الأذى لم يفتح ملفات من الأحقاد وسجلات من العداوة: فلان هو المتسبب، وفلان هو الذي سعى في الموضوع، وفلان خذلني، وفلان قصر في حقي، وفلان لم يسعَ في خلاصي من أسر هؤلاء، وفلان ما زارني بعد السجن، وفلان صدرت منه بعض الكلمات التي لربما يُفهم منها أنه كان مباركاً لهذا العمل راضياً به؛ لم يفتح شيئاً من هذا إطلاقاً! ولم ينقل لنا التاريخ عن الإمام أحمد رحمه الله على طول ترجمته، لم ينقل عنه كلمة واحدة تدل على أنه وقف عند نفسه. وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أُوذي، ورُمي بالعظائم، وكفّره علماء، وأفتوا السلطان بقتله، وضرب بعضهم على صدره وقال: «دمه في عنقي، دمه حلال!»، وبقي رحمه الله يُقاد من سجن إلى سجن في دمشق وفي القاهرة، وبقي مدداً متطاولة في السجن، ثم يُخرَج منه، ثم يُعاد إليه مرة ثانية. قام عليه أهل عصره من شيوخ أهل البدع والضلال والأهواء، ومن الحسدة الذين امتلأت قلوبهم غيظاً وحنقاً على هذا الإمام الذي ملأ الدنيا علماً ودعوة، وكسر أهل الضلال والبدع بصوارم السنة ولا زالت كتبه شاهدة بذلك. كان من ألدّ أعداء شيخ الإسلام الذين يفتون بقتله وبحل دمه وبكفره رجل من فقهاء المالكية يقال له: ابن مخلوف. مات ابن مخلوف في حياة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فعلم بذلك تلميذه ابن القيم -تلميذ شيخ الإسلام-، فجاء يهرول إلى شيخ الإسلام يبشره بموت أكبر أعدائه وألدّ أعدائه وهو ابن مخلوف، يقول له: «أبشر، قد مات ابن مخلوف!». فماذا صنع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؟ هل سجد سجدة الشكر وقال: «الحمد لله الذي خلّص المسلمين من شره»؟ لم يقل ذلك! ما قال كما يقول بعضنا: «حصاة أُلقيت عن طريق المسلمين»، «مستريح ومستراح منه»؛ لم يقل شيئاً من ذلك! بل يقول ابن القيم: «فنهرني وتنكّر لي واسترجع»، قال: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، ثم قام من فوره إلى بيت أهله، فعزّاهم وقال: «إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه»، فسُرّوا به ودعوا له! من منا يصنع ذلك أيها الإخوان؟! من منا يذهب إلى خصمه إذا مات، يذهب إلى أهله وذويه ويعزيهم ويقول: «لا تكون لكم حاجة إلا كنتُ لكم مكانه» ويواسيهم؟! من منا يصنع ذلك؟! أصحاب النفوس الكبيرة يصنعون ذلك، يتجاوزون النفس. نعم، أفتى بقتلك، أفتى بكفرك، لكن أنت أكبر من ذلك؛ فتذهب إليه، تذهب إلى أهله وتواسيهم. لو تحلينا بهذه الأخلاق أيها الإخوان لاستطعنا أن نكسب كثيراً من القلوب. لكننا قد نلعن هؤلاء الذين نختلف معهم، نلعنهم سبعين لعنة! ونتعامل مع هؤلاء على قاعدة: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ﴾، هذه الآية قالها الله عز وجل في المنافقين، فقد نتعامل مع بعض من نختلف معهم من المسلمين بمثل هذا التعامل الصلف الحاد، فنكون بهذا أشداء على أهل الإيمان، والله وصف أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم بأنهم: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، والله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين، قال في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المهاجرين في غزوة المريسيع عند المريْسيع قال: «ما مَثَلُنا ومثل هؤلاء إلا كما قال الأول: سمّن كلبك يأكلك!»؛ يقوله في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم! ويقول ظاناً أن خزائن السماوات والأرض بيده، يقول: «لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا»؛ يقول: «أنتم الذين آويتموهم وأطعمتموهم، فلا تنفقوا عليهم من أجل أن يتفرقوا عن بلادكم، عن مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبحثوا عن بلد آخر تؤويهم». هذا من أصحاب النفوس الصغيرة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب نفس كبيرة؛ فلما مات ذهب إلى قبره، وأعطى ابنه قميصه صلى الله عليه وسلم ليكفَّن به، وقام على قبره يستغفر له حتى نهاه الله عز وجل عن ذلك. ولما نهاه الله بقوله: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أعلم أني لو زدت على السبعين غُفر لهم لفعلتُ» أو كما قال عليه الصلاة والسلام. هذا في رجل لطالما آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وآذى المؤمنين! هو الذي أَفَكَ الإفك وسعى به وتولى كِبره، واتهم عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبشع تهمة، وقال أقبح القول؛ ومع ذلك يعفو عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ويصلي عليه، ويدفع قميصه لابنه ليكفَّن به، ثم يقوم على قبره يستغفر له، والنبي صلى الله عليه وسلم يعلم حاله! هذا لا يفعله إلا القلوب الرحيمة، القلوب الكبيرة، القلوب الواسعة.

medo's profile picture
medo3 days ago

محاضرة عظيمة اتمني علي الجميع ان يستمع لها ويحاول يطبق ما يستطيع منها

صالح عبدالعزيز الخرجي's profile picture
صالح عبدالعزيز الخرجي3 days ago

بالفعل

الأصالة's profile picture
الأصالة3 days ago

الجزء الثالث: مواقف العفو عند القدرة، وأدب الخلاف العلمي والاجتماعي وليس معنى ذلك أيها الإخوان تمييع قضية الولاء والبراء، فهي أصل ثابت كما ذكرتُ في أول هذا الكلام؛ لكن ينبغي أن نفرّق بين أمرين: بين شأن الولاء والبراء، وبين حظ النفس. الولاء والبراء ثابت في القلب، وأما النفس فدعها خلف ظهرك؛ لا تنتصر لها، ولا تقف عندها. الكبار لا يليق بهم أن يدوروا حول أنفسهم: فحقد مع هذا، ومشكلة نفسية مع هذا، وقضية شخصية مع الثالث، وكما يقال «وقفة نفس» مع فلان، وما إلى ذلك من الأمور؛ هذا لا يصلح أن يكون داعية، هذا يفسد أكثر مما يصلح! يدعو على هذا في ثلث الليل الآخر، ويلعن هذا، ويعلن صراحة بلا مواربة للآخر أنه لا يمكن أن يعفو عنه حتى يقف معه بين يدي حَكَم عدل وهو الله سبحانه وتعالى في يوم تشخص فيه الأبصار! هكذا بعضهم يعبّر أيها الإخوان. فمن كان بهذه المثابة فهو لا يصلح للدعوة، لا يصلح للدعوة، عليه أن يدعو نفسه وأن يعالج قلبه، ثم بعد ذلك يسعى في إصلاح الآخرين؛ لأن هذا إن اشتغل بدعوتهم لربما يفسد أكثر مما يصلح: مشكلة مع هذا، وعداوة مع الثالث، فتفرّق المدعوون عنه وانفضّوا، وبقي وحده. ولما مَرِض شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مرض الوفاة، وأين؟ في المستشفى؟ في قصر؟ مَرِض مرض الوفاة في السجن! وقد مُنع عنه كل شيء، حتى الأقلام والأوراق مُنعت منه لئلا يؤلف، بتحريض من هؤلاء المبتدعة، من شيوخ الضلالة، ومن الحسدة. كأنّ بعضهم قد تحرك ضميره، فجاء إلى شيخ الإسلام -وأين؟ في السجن، لا زال مأسوراً- جاء إليه يعتذر إليه ويلتمس منه أن يحلله. ما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «الآن؟! الصيف ضيّعتِ اللبن! هلا كان ذلك أولاً؟! هيهات أن أعفو عنك، وأن أصفح، وأن أحللك!»؛ ما قال شيئاً من ذلك! بل قال: «إني قد أحللتك وجميع من عاداني وهو لا يعلم أني على الحق»، وقال: «وإني قد أحللتُ السلطان الملك الناصر من حبسه إياي، كونه فعل ذلك مقلداً غيره». من كان بهذه المثابة أيها الإخوان قلبه يتقطع من الغل؟ لا ينام الليل لأنه يتفطّر على هؤلاء الخصوم؟! ثم هو يموت ولم يقتص منهم، ولم يأخذ بثأره، ولم يتشفّ من هؤلاء الأعداء، يموت في السجن وهم يشمتون به ويستروحون للخلاص من شخصه! ما قال: «الآن أموت كمداً!»، «تعلّم شفاء النفس قهر عدوها» كما يقول بعضهم؛ وإنما قال: «قد أحللتُ الجميع، قد أحللتُ الجميع». بل أكثر من هذا: وقع للملك الناصر انقلاب فذهب عليه ملكه، وكان الذي قام بهذا الانقلاب مَلِك يقال له المظفر ركن الدين بيبرس. وكان هؤلاء العلماء والفقهاء والقضاة والحسدة الذين لم يفتؤوا ولم يألوا جهداً في الوشاية بشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، كانوا قد التفوا حول هذا الملك الجديد، وصاروا حاشية له، وأداروا ظهورهم للأول: لك العز إن مولاك عز وإن يَهَن ... فأنت إلى بحبوحة الهون صائرُ فتركوه وتوجهوا من جديد إلى هذا الملك الجديد، وصاروا حاشيته، وجلساءه، وندماءه. ثم استطاع الملك الناصر أن يسترد ملكه من جديد، فجاء وجلس على سرير ملكه، وأحضر هؤلاء القضاة والعلماء والفقهاء، وأجلسهم بين يديه وقد طأطؤوا رؤوسهم لا يدرون ماذا سيصنع بهم! لا يعرفون كيف سيفتك بهم وينتقم منهم حينما أعرضوا عنه والتفوا حول عدوه وخصمه، فهؤلاء ليس لهم وفاء في نظر هذا الملك. وبينما هم كذلك وقد طأطؤوا رؤوسهم يضربون أخماساً بأسداس، إذ طلع عليهم رجل من بعيد ولم يميزوه في أول الأمر، فلما اقترب فإذا هو شيخ الإسلام ابن تيمية الذي كان في السجن! قد أمر الملك بإخراجه من جديد ودعاه إلى مجلسه، فأُسقط في أيديهم وقالوا: «الآن يتم الانتقام بفتوى، ونُذبح على الطريقة الإسلامية كما يقال!». فقام الملك يمشي إلى شيخ الإسلام توقيراً وتعظيماً في الظاهر لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولم يكن من عادته ذلك وهو يجرجره من سجن إلى سجن؛ فقام إليه يمشي مظهراً لتعظيمه، ثم عانقه وأخذه إلى شرفة وناحية في القصر وسارّه، جلس يتحدث معه سراً، وماذا قال له؟ قال له: «ما تقول في هؤلاء؟». يقول شيخ الإسلام: «فعلمتُ أنه قد حَنِق عليهم، وأنه أراد أن ينتقم لنفسه»؛ لاحظ الفقه: أراد أن ينتقم لنفسه، لا ينتقم لشيخ الإسلام ولا للدين، وإنما لأن هؤلاء قد تركوه وأعرضوا عنه. يقول: «فعلمتُ أنه قد حَنِق عليهم، وأراد أن ينتقم لنفسه، فشرعتُ في مدحهم، والثناء عليهم، وشكرهم، وأن هؤلاء لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك، ولا قيام لملكك إلا بهم؛ فهم قضاة البلد وفقهاؤه». يقول: «فأخرج لي أوراقاً وقراطيس من جيبه فيها فتاوى بخطوطهم»، يقول: «انظر ماذا قالوا فيك!»؛ كفّروه وأفتوا بقتله، فهذه محفوظة بملفات، حان الأوان لإخراجها لفضحهم، لينتقم لنفسه. المظنون لو كان الإنسان صاحب نفس صغيرة أن تأخذه العزة بالإثم، ويستطيع بكل سهولة أن يتدثر بدثار السنة والدفاع عن العقيدة: أن هؤلاء مبتدعة، فنخلّص منهم البلاد والعباد! فماذا قال شيخ الإسلام؟ قال: «أما أنا فهم في حِلّ من جهتي، قد عفوتُ عنهم». يقول: «فسكّنتُ ما عنده» هدّأه. ثم بدأ شيخ الإسلام بعد ذلك يبث علمه في المساجد وفي الحِلَق والمجالس، وكثر أتباعه وناصروه ومؤيدوه. وبدأ أولئك الذين كانوا يتحركون في الكيد له ويطمعون في النيل منه، بدؤوا يتلطفون به ليعتذروا إليه من سابقتهم، فماذا كان يقول؟ ما كان يقف مع كل واحد ويقول: «هيهات!» أو يحقق معه: «لماذا قلت؟ ما الذي حملك على ذلك؟»؛ لا، كان يقطع ذلك جميعاً ويقول: «قد جعلتُ الكل في حِلّ مما جرى». ما قسم الناس إلى فسطاطين: فسطاط الأولياء الذين نصروه وكانوا معه في وقت الشدة، وفسطاط الأعداء الذين يستحقون كل ذم وويل؛ ما قسم الناس، ولم يمتحنهم هذا الامتحان، كان يقول: «ليُطوَ هذا البساط». وكتب رسالة إلى أصحابه وإخوانه في دمشق يذكرهم بهذا المعنى، يقول: «أول ما أبدأ به ما يتعلق بي؛ فتعلمون أني لا أحب أن يُؤذى أحد من عموم المسلمين -فضلاً عن أصحابنا- بشيء أصلاً، لا باطناً ولا ظاهراً، ولا عندي عتب على أحد منهم ولا لوم أصلاً؛ بل لهم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم أضعاف أضعاف ما كان، كلٌّ بحسبه. ولا يخلو الرجل: إما أن يكون مجتهداً مصيباً، أو مخطئاً مذنباً؛ فالأول مأجور مشكور، والثاني مع أجره على الاجتهاد فمعفوٌّ عنه مغفور له، والثالث فالله يغفر لنا وله ولسائر المؤمنين». يقول: «فنطوي بساط الكلام المخالف لهذا الأصل، كقول القائل: فلان قصّر، فلان ما عمل، فلان أُوذي الشيخ بسببه، فلان كان سبب هذه القضية، فلان كان يتكلم في كيد فلان، ونحو هذه الكلمات التي فيها مذمة لبعض الأصحاب والإخوان؛ فإني لا أسامح من آذاهم من هذا الباب». ثم يقول: «وتعلمون أيضاً أن ما يجري من نوع تغليظ أو تخشين على بعض الأصحاب والإخوان»، يقول: «فليس ذلك غضاضة ولا نقصاً في حق صاحبه، ولا حصل بسبب ذلك تغيّر منا ولا بغض؛ بل هو بعدما عُمل به من التغليظ والتخشين أرفع قدراً وأنبَه ذكراً، وأحب وأعظم، وإنما هذه الأمور هي من مصالح المؤمنين التي يصلح الله بها بعضهم ببعض؛ فإن المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، وقد لا ينقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونة، ولكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة ما نحمد معه ذلك التخشين». ثم يذكرهم بالتعاون على البر والتقوى، ويذكرهم أيضاً بأن هؤلاء الذين غابوا عنه ولم يحضروا ولم يسلموا عليه ولم يهنّئوه على الخروج من الحبس، أن هؤلاء لا يلحقهم لوم ولا عتب، وأن لهم من المنزلة والمكانة أضعاف أضعاف ما كان قبل ذلك. ويقول لهم: «مثل هذه القضايا يقع فيها من الاجتهاد، فمن كان مجتهداً في طلب الصواب فهو مأجور، والله عز وجل يغفر له خطأه». ويقول: «في مثل هذه المحن يحصل أشياء من نزغات الشيطان، فينبغي أن نترفع عن هذه الأشياء»، ويقول: «هذه أمور قد كثر فيها الكذب والمقالات المتنوعة»، ويوصيهم ويذكرهم بقصة الإفك: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾، يقول: «وقد أظهر الله الحق وبيّنه»، يقول: «فلا أحب أن يُنتصر من أحد بسبب كذبه عليّ أو ظلمه وعدوانه؛ فإني قد أحللتُ كل مسلم، وأنا أحب الخير لكل المسلمين، وأريد لكل مؤمن من الخير ما أحبه لنفسي، والذين كذبوا وظلموا فهم في حِلّ من جهتي؛ وأما في حق الله فالله يتولى الجميع، إن شاء غفر لهم، وإن شاء عاقبهم». يقول: «ولو كان أحد يُشكر على سوء صنيعه، لشكرتُ هؤلاء على سوء صنيعهم معي!». من منا يفعل هذا؟! من منا يتعامل مع الخصوم بهذه الطريقة أيها الإخوان؟! ولذلك كان ابن مخلوف يقول -وهو عدوه المالكي الذي ذكرتُه آنفاً- كان يقول: «ما رأينا مثل ابن تيمية؛ ما تركنا شيئاً في السعي فيه، ولما قدر علينا عفا عنا!». بهذا نستطيع أيها الإخوان أن نكسب قلوب الناس، نكسب قلوب الأعداء فضلاً عن الأصحاب والأصدقاء. حينما يكون حول العالم أو طالب العلم أو الداعية مجموعة من طلابه وتلاميذه فيتعامل معهم بطريقة تنهبط فيها نفسه ويتعلق بحظوظه النفسية الخاصة، فإن هؤلاء لا يمكن أن يستطيعوا أن يصبروا على الاستمرار والدوام معه، ولا يمكن أن ينتجوا عملاً تنتفع به الأمة؛ لأن هؤلاء سرعان ما ينفرط العقد، ويتفرقون، ويتحولون إلى أعداء يكاشرونه بالعداوة. بل إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله انفرد به بعض أهل البدع في ناحية من نواحي القاهرة وضربوه وشتموه، فتسامع الناس بذلك، فخرج كثير من الأمراء والقادة والجنود والعامة والوجهاء يبحثون عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فوجدوه في مسجد على البحر، وتجمعوا عنده وتتابع آخرون صاروا يتلاحقون ويتسامعون، فاجتمعوا عنده وقالوا له: «يا سيدي، قد جاء خلق من الحسينية، لو أمرتهم أن يهدموا مصر كلها لفعلوا!». ما قال لهم: «نعم! أنتم أنتم الذين تعرفون قدر علمائكم، ولا خير في أمة لا تعرف قدر علمائها! هؤلاء أهل بدع وضلالات، أحرقوهم وأريحوا الناس منهم!»؛ ما قال هذا الكلام! القضية تتعلق بشخصه هو، فماذا قال؟ قال لهم: «لأي شيء؟»، قالوا: «لأجلك»، قال لهم: «هذا ما يحق»، قالوا: «نحن نذهب إلى بيوت هؤلاء الذين آذوك -يعني لا نخرب الأحياء بكاملها- نذهب إلى بيوتهم فنقتلهم ونخرب دورهم، فإنهم شوّشوا على الناس»؛ لاحظ الملحظ الآخر الذي جاؤوا من أجله: في البداية الانتصار لشيخ الإسلام فرفض، ثم أعادوا الكرّة بثوب آخر: أنهم أثاروا فتنة وشوّشوا على الناس، فقال: «هذا ما يحل»، فقالوا: «فهذا الذي فعلوه لك هل يحل؟! هذا شيء لا نصبر عليه، ولا بد أن نروح إليهم ونقاتلهم على ما فعلوا!»، فكان ينهاهم ويزجرهم عن ذلك، فلما أكثروا عليه قال: «إما أن يكون الحق لي، أو لكم، أو لله؛ فإن كان الحق لي فهم في حِلّ، وإن كان لكم فإن لم تسمعوا مني ولم تستفتوني فافعلوا ما شئتم، وإن كان الحق لله فالله يأخذ حقه كيف شاء». فقالوا له: «هذا الذي فعلوه بك هل هو حلال؟»، قال: «هذا الذي فعلوه قد يكونون مثابين عليه مأجورين فيه!»، قالوا: «فتكون أنت على الباطل وهم على الحق؟! كيف تقول إنهم يؤجرون على ذلك؟!»، فقال: «ما الأمر كما تزعمون؛ فإنهم قد يكونون مجتهدين مخطئين، ففعلوا ذلك باجتهادهم، والمجتهد المخطئ له أجر». ناس يضربونه، ويشتمونه، ويؤذونه ببدنه، ومن أهل الضلالات والأهواء والبدع، ويقول: إنهم قد يؤجرون؟! أين نحن من مثل هؤلاء؟! بل خرج عليه رجل من هؤلاء المبتدعة -رجل متفقه- فانفرد بشيخ الإسلام في محلة وناحية لم يكن هناك أحد، فأساء الأدب إلى شيخ الإسلام وأسمعه ما يكره وشتمه، فعلم الناس بذلك وبدؤوا يأتون لشيخ الإسلام يريدون الانتصار له، فسمع ذلك الرجل فبدأ يتلطف ويرسل الوسائط يظن أن شيخ الإسلام سينتصر لنفسه؛ فكان شيخ الإسلام يرد بعبارة مختصرة يقول: «أنا ما أنتصر لنفسي»؛ يعني دعوا هذا الرجل يطمئن ويرتاح وينام قرير العين: «أنا ما أنتصر لنفسي». هؤلاء قوم يختلف معهم شيخ الإسلام في مسائل تتعلق بالعقيدة والمنهج كما يقال. أما الخلاف في المسائل الفرعية: فهذا يكون الحكم فيه كما سبق: سعة الصدر، وهو أحرى بذلك وأولى؛ لأن الخلاف في المسائل العلمية الاجتهادية الفرعية أمر سائغ، ولا يلحق المخالف فيه تضليل ولا تبديع، ولا يُنسب إلى هوى إذا كان يقصد الحق. والناس لطالما اختلفوا في مسائل الاجتهاد؛ ولكن أصحاب النفوس الصغيرة لربما احتدم النقاش معه فصار يلقاك بوجه آخر، وابتسامة مائلة من شق واحد، يضمر لك ضغينة ويحمل عليك في نفسه؛ لأنه قد اختلف معك في مسألة من مسائل الفروع! هذا الشافعي رحمه الله يقول عنه يونس الصدفي -ناظرته يوماً وهو يصفه بقوله: «ما رأيتُ أعقل من الشافعي»-: «ناظرته يوماً في مسألة ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة؟!». وخذ هذا المثال الآخر العجيب: العالِم الوزير ابن هبيرة رحمه الله؛ نال العلم، والفقه، والوزارة معاً، كان له مجلس حافل بالعلماء من أرباب المذاهب الأربعة. وبينما هو في مجلسه إذ ذكر مسألة من مفردات الإمام أحمد -يعني أن الإمام أحمد تفرد في هذه المسألة عن الأئمة الثلاثة: الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة-، فقام فقيه من فقهاء المالكية يقال له أبو محمد الأشيري، فقال: «بل قال بهذا الإمام مالك»، فقال ابن هبيرة رحمه الله: «هذه الكتب»، وأحضرها وإذا هي تنص على أن هذه المسألة من مفردات الإمام أحمد، فقال أبو محمد الأشيري: «بل قال بذلك الإمام مالك»، فتكلم العلماء الذين حضروا هذا المجلس وقالوا: «بل هي من مفردات الإمام أحمد»، قال: «بل قال بذلك الإمام مالك»، فغضب ابن هبيرة وقال: «أبهيمةٌ أنت؟! أما تسمع هؤلاء العلماء يصرّحون بأنها من مفردات الإمام أحمد والكتب شاهدة بذلك، ثم أنت تصرّ على قولك؟!». فتفرّق المجلس. هب أنك في هذا المجلس، هب أنك أحد الطرفين: في مكان ابن هبيرة أو في مكان الأشيري، ما هو في مجلس علماء؛ لو كنتَ أنت وهذا الإنسان ليس معكما ثالث وقال لك: «أبهيمةٌ أنت؟!» هل ستلقاه بعدها؟! هل ستأتي إلى مجلسه؟! هل ستحضر معه؟! ثم لو قال لك ذلك أمام الآخرين: هل تنام تلك الليلة؟! هل تفكّر بالرجوع إليه؟! لما انعقد المجلس في اليوم الثاني جاء الفقيه المالكي وحضر كأن شيئاً لم يكن، وجاء ابن هبيرة، وجاء العلماء. فأراد القارئ على عادته أن يقرأ ثم يعلق الوزير ابن هبيرة، فقال له: «قِف؛ فإن الفقيه الأشيري قد بَدَر منه ما بَدَر بالأمس، وحملني ذلك على أن قلتُ له ما قلت، فليقل لي كما قلتُ له -لاحظ!- فليقل لي كما قلتُ له! فلستُ بخير منكم، ولا أنا إلا كأحدكم». فكيف كان أثر هذه الكلمات أيها الإخوان وهي مجاناً؟! لا تخسر عليها شيئاً، تجاوز بس هذه النفس، تغلب عليها؛ ضجّ المجلس بالبكاء! تأثروا جداً من هذه الأخلاق العالية الرفيعة، وارتفعت الأصوات بالدعاء والثناء. وجعل هذا الخصم -الأشيري- جعل يعتذر ويقول: «أنا المذنب، أنا الأولى بالاعتذار»، والوزير ابن هبيرة يقول: «القصاص القصاص!». فتوسط أحد العلماء وقال: «يا مولانا، إذا أبى القصاص فالفداء»، فقال الوزير: «له حكمه، يحكم بما شاء، احكم بما تريد»، فقال هذا الفقيه: «نِعَمُك عليّ كثيرة، فأي حكم بقي لي؟!»، فقال: «قد جعل الله لك الحكم علينا بما ألجأتنا إليه من الافتيات عليك»، فقال: «عليّ بقية دين منذ كنتُ بالشام»، فقال الوزير ابن هبيرة: «يُعطى مئة دينار لإبراء ذمته وذمتي»، فأُحضر له المال، وقال له ابن هبيرة: «عفا الله عنك وعني، وغفر الله لك ولي». هل نحن كذلك؟! إذا كنا في مجلس وحصلت قضية مثل هذه، كيف ستكون نتائجها؟ عداوة إلى يوم الدين! وقلب يتقطع، ونفس حَرقى حَرّة على هذا الإنسان، نسأل الله العافية! كلمات لم يخسر فيها شيئاً، بل ازداد رفعة. نحن نتحدث عنها بعد قرون، بعد مئات السنين! لو أنه بقي مع نفسه، فكيف سيكون حال هذه الصلة والعلاقة؟! ترفعوا أيها الإخوان، ارتفعوا، ارتفعوا، ارتفعوا إلى أعلى، حلّقوا؛ النفس يجذبها الطين، فتجردوا من الأهواء والحظوظ النفسانية.

الأصالة's profile picture
الأصالة3 days ago

الجزء الرابع: أخلاق الكبار في واقع المعاش، والأسرة، وثمرات العفو والخاتمة هذا في مسائل العلم؛ أما في أمور المعاش، والعلاقات الاجتماعية، والتجارية، وغير ذلك مما يعافسه الإنسان صباح مساء ولا بد أن يجد فيه ما يجد: من تقصير في حقه، ومظلمة، وإساءة، وكلمة لربما لا يتحملها كثير من الناس؛ فكيف يصنع؟ اسأل نفسك أنت، لا تبحث في ذهنك وتذهب إلى إنسان آخر، اسأل نفسك: ما موقفك حينما يبلغك أن فلاناً من الناس يتكلم في حقك ويقع في عرضك، كيف تصنع؟ هل تعزم على عداوته ومقاطعته؟ الشافعي رحمه الله يوصينا بوصية في هذا المقام، يقول: «إذا بلغك عن صديق لك ما تكرهه فإياك أن تبادره بالعداوة»؛ لا تحكم مباشرة وتتخذ هذا الإجراء فتقطع الولاية فتكون ممن أزال يقينه بشك! الثقة حاصلة متيقنة، وهذا شك عارض، فلا يذهب اليقين بالشك. «ولكن الْقَهُ -قابله- وقل له: بلغني عنك كذا وكذا، واحذر أن تسمي له المبلّغ؛ فإن أنكر ذلك فقل له: أنت أصدق وأبرّ»؛ إذا قال: «لا، أنا ما قلت»، فلا تحصره في زاوية ضيقة كما يفعل بعض الناس، لا تفعل، وإنما قل له: «أنت أصدق وأبرّ عندي»، ولا تنقّر، ولا تحقق، وتجاوز ذلك. يقول: «وإن اعترف بذلك -قال: نعم، أنا قلت- فقبل أن توجه إليه سؤالاً آخر، يقول: إن رأيتَ له في ذلك وجهاً لعذر -يعني أنت قدرت عذراً- فاقبل منه، وإن لم ترَ له عذراً فقل له: ماذا أردتَ بما بلغني عنك؟ ماذا أردتَ بهذا الكلام الذي قلته في هذا المجلس؟ فإن ذكر ما له وجه من العذر فاقبل منه، وإن لم ترَ له لذلك وجهاً من العذر وضاق عليك المسلك، فحينئذٍ أثبتها عليه سيئة -زلّة، ثم ماذا؟ خطأ- ثم أنت بعد ذلك بالخيار: إن شئتَ كافأته بمثله من غير زيادة، وإن شئتَ عفوتَ عنه، والعفو أقرب للتقوى وأبلغ في الكرم»؛ لقول الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾؛ «فإن نازعتك نفسك بالمكافأة، ففكّر فيما سبق له لديك من الإحسان فعُدّها، ثم ابدر له إحساناً بهذه السيئة، ولا تبخسنّ باقي إحسانه السالف بهذه السيئة؛ فإن ذلك الظلم بعينه. يا يونس -وهو يوصي بذلك يونس الصدفي- إذا كان لك صديق فشدّ يديك به؛ فإن اتخاذ الصديق صعب، ومفارقته سهل». والمشكلة أيها الإخوان أحياناً: أن الإنسان يحمل الكلام على أسوأ المحامل، والطرف الآخر لم يعلم بذلك وهو خالي القلب تماماً، ولم يخطر له على بال هذه الظنون الأخرى التي ذهب بها فلان! ولربما ذاك يتقطع غيظاً وحنقاً ولم يَبِت تلك الليلة، والآخر لم يفكر في شيء من ذلك لا في قليل ولا في كثير؛ نيته سليمة، صحيحة، لم يقصد الإساءة. والناس يتفاوتون في هذا: منهم من قد يحمل الإحسان -نسأل الله العافية- إلى إساءة، والكلمة الطيبة إلى جرح، ومنهم من يحمل الكلام الموهم والمحتمل إلى المحامل السيئة، ومنهم من يحمل الكلام الرديء على أحسن المحامل. والله عز وجل قد فاوت بين الخلق، فكما وزّع بينهم الأرزاق، وزّع بينهم الأخلاق. وقد صدق رجاء بن حيوة رحمه الله حينما قال: «من لم يواخِ إلا من لا عيب فيه قلّ صديقه، ومن لم يرضَ من صديقه إلا بالإخلاص له دام سخطه، ومن عاتب إخوانه على كل ذنب كثر عدوه»؛ كثر عدوه! والإنسان ظلوم جهول، لا بد تصدر منه أخطاء وتقصير؛ فإذا كان ينقّر معك على كل قضية، وكل كلمة، وكل تصرف؛ فهذا لا شك أنه أمر صعب جداً أيها الإخوان. سل نفسك: ما موقفك ممن وشى بك وشاية سيئة، سعى فيك وأراد الإيقاع بك والإساءة إليك، ما موقفك منه؟ هذه صفية أم المؤمنين، لها جارية ذهبت إلى عمر متبرعة بوشاية وفرية. صفية بنت حيي كانت من اليهود وأسلمت، وتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وهي من أمهات المؤمنين. في خلافة عمر ذهبت جارية لها إلى عمر تتبرع بوشاية تقول: «إن صفية تحب السبت، وتصل اليهود!»؛ هذه تهمة، هذه التهمة تعني ما خلاصته: أنها لا زالت تحتفظ بلوثة يهودية! السبت هو يوم اليهود، عيد اليهود، فمعنى ذلك أنها تعظمه للوثة ورواسب بقيت في نفسها: «تحب السبت وتصل اليهود!». فعمر رضي الله عنه لم يعجل عليها، ولم يقبل هذه الوشاية على أنها حقيقة ثابتة؛ استدعى صفية وسألها عن ذلك، فقالت: «أما السبت فلم أحبه منذ أن أبدلني الله به الجمعة، وأما اليهود فإن لي فيهم رَحِماً -هم أقاربها- فأنا أصلها». ثم قالت للجارية: «ما حَمَلكِ على ما صنعتِ؟ لماذا فعلتِ ذلك؟»؛ ما تفرغت بعد ذلك للجارية وأرادت أن تصفي الحساب معها، قالت: «ما حَمَلكِ على ذلك؟»، قالت: «الشيطان»، قالت: «اذهبي فأنتِ حُرّة!»؛ انتهى كل شيء: «اذهبي فأنتِ حرة»، انتهت المشكلة! وسل نفسك: لو أنك رجعتَ إلى بيتك ووجدتَ أن البيت قد كُسر وأن المتاع قد سُرق، أو وضعتَ يدك في جيبك فوجدتَ أن ما تحتفظ به من نقود وأوراق ووثائق قد نُشلت وسُرقت، خرجتَ إلى سيارتك فإذا هي قد كُسرت وأُخذ ما بها ونُثر زجاجها على قارعة الطريق؛ ماذا تصنع؟ هل تدعو على هذا الفاعل، السارق، المجرم، بأن يشلّ الله يده ورجله، ويأخذ بصره وسمعه، ويجمّد الدم في عروقه، وأن يجعله يتمنى الموت ثم لا يجده؟! هكذا نفعل أحياناً! أما ابن مسعود ومن كان على شاكلته من أصحاب النفوس الكبيرة فلم يكن يصنع ذلك؛ خرج من بيته ووضع النقود في طية من طيات عمامته، وجلس عند بائع فاشترى منه طعاماً، ثم قال بيده هكذا فوجد أن النقود قد سُرقت، فقال ابن مسعود: «لقد جلستُ وإنها لمعي!» استغرب، فُوجئ! فتجمع مجموعة من الناس كالعادة لمناصرته، والتفاعل معه، وإبداء المشاعر والأحاسيس التي يوافقونه أو التي يواسونه بهذا المصاب الذي وقع له، فجعلوا يدعون على هذا السارق: «اللهم اقطع يد السارق الذي أخذها! اللهم افعل به كذا! اللهم افعل به كذا!» وجلس كل واحد منهم يدعو؛ أما ابن مسعود فقال: «اللهم إن كان حَمَله على أخذها حاجة فبارك له فيها، وإن كانت حملته جراءة على الذنب فاجعله آخر ذنوبه!». بس! ما فيها: لا اقطع يده، ولا رجله، ولا شُلّ أركانه، ولا خذ بصره، ولا سمعه، ولا اجعله يتمنى الموت ولا يجده، ولا تجميد الدم في العروق، ولا... ولا شيء من ذلك إطلاقاً! دعا له بهذه الدعوات الطيبة، دعا له ما دعا عليه! ما موقفك لو أنك خرجتَ أو دخلتَ فصادفك إنسان لم يحفظ لك حقاً ولم يراعِ لك حرمة، فوجه إليك سهماً من لسانه، فشتمك وأسمعك ما تكره؛ ماذا تصنع؟ ترد عليه بالمثل؟ تنتقم؟ يتحول إلى عدو؟ أصحاب النفوس الكبيرة في هذا الموقف يا إخوان يتذكرون قول الله عز وجل: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ فهذا شعارهم. فالمقصود أيها الإخوان: أن ريحانة العابدين، زين العابدين علي بن الحسين رحمه الله -من أكابر التابعين- كان في مجلسه وعنده أصحابه، وأصحابه من العلماء والأشراف والوجهاء وجميع طبقات المجتمع، مجلس حافل؛ لأنه رجل عالم، أب للفقراء، يفزع للناس في نوائبهم. فكان جالساً، وكان بينه وبين ابن عم له -وهو حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب- كان بينهم شيء مما يكون بين الناس، فحسن بن حسن لم يتمالك وخرج عن طوره وجاء يبحث عن زين العابدين، فوجده جالساً مع أصحابه في المسجد؛ فجاء إليه وما ترك شيئاً إلا قاله في حقه من الشتم وقبيح القول، وعلي بن الحسين ساكت لا يرد بشيء! فلما تشفّى منه انصرف. ثم ذهب علي بن الحسين أكمل مجلسه، ثم ذهب إلى بيته؛ فلما كان الليل ذهب زين العابدين إلى بيت حسن بن حسن. في مثل هذه المواقف المتوقع أنه يخفي مسدساً ليؤدبه! لم يفعل شيئاً من ذلك؛ جاء إلى بيته وطرق عليه الباب، فلما خرج حسن بن حسن قال له: «يا أخي، إن كنتَ صادقاً فيما قلتَ فغفر الله لي -إن كنتُ أنا كما وصفتني فغفر الله لي-، وإن كنتَ كاذباً فغفر الله لك، السلام عليكم» وتركه! فهشّمت هذه الكلمات العداوة المستحكمة في نفس حسن بن حسن، ولم يتمالك مشاعره، فتحولت مشاعر العداوة والبغض والكراهية والغضب إلى مشاعر أخرى معاكسة؛ فجعل يتبعه ويجري خلفه، والتزمه من خلفه وجعل يبكي حتى رُثي له، ثم قال: «لا جَرَم، لا عُدتُ في أمر تكرهه»، فقال له علي بن الحسين: «وأنت في حِلّ مما قلتَ لي». في ليلتها! في ليلتها! ما ذهب يتكلم ويبحث عن الفرص للانتقام. فهل نحن يا إخوان نفعل ذلك؟ جاك إنسان وشتمك، كنتَ في مجلس، في مناسبة، في صالة أفراح، وتسلط عليك إنسان وأسمعك قبيح القول؛ ما موقفك من هذا الإنسان؟ إن كنتَ من أصحاب النفوس الكبيرة فتتجاوز النفس. ولهذا كان بعضهم يقول لمن يشتمه ويبالغ في شتمه: «يا هذا، لا تفرط في شتمنا، وأَبْقِ للصلح موضعاً؛ فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه!». لو أن إنساناً اعتدى عليك مباشرة بالضرب، أو الجرح، أو حاول قتلك، أو دسّ لك السم، أو غير ذلك؛ كيف تصنع معه؟ عمر بن عبد العزيز رحمه الله -خامس الخلفاء الراشدين- مَرِض مرض الوفاة، وسأل مجاهداً قال: «ما يقول الناس في مرضي؟»، قال: «يقولون مسحور»، قال: «لا». ثم دعا غلاماً فقال: «ويحك! ما حَمَلك على أن سقيتني السم؟» يريد أن يبين له السبب، فقال: «ألف دينار أُعطيتها، وأن أُعتق»، فقال: «هاتها»، فأخذها ووضعها في بيت المال، ثم قال له: «اذهب فأنت حر لا يراك أحد». هذا سمّ الخليفة الآن! ويعلم أنه هو الذي فعل هذا واعترف، فماذا صنع به؟ قال له: «اذهب فأنت حر». والإمام مالك رحمه الله ضُرب، جُلد حتى تخلعت يداه، وكان يصلي مُسدل اليدين لما يجد من الألم. فلما جاء المنصور -الخليفة العباسي- وحج وجاء إلى المدينة أراد أن يتجمل عند الإمام مالك، فطلب من الإمام مالك أن يقتص ممن حبسه وضربه -وهو جعفر بن سليمان- فماذا قال الإمام مالك؟ هل قال: «فرصة لا يمكن أن تضيّع»؟! لا، قال: «معاذ الله! معاذ الله!». ما قال: «هذا واحد من الظلمة، نقتص منه ونؤدبه»؛ لا، قال: «معاذ الله، الكبير لا ينتقم لنفسه». ولهذا ما انتقم النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه قط، ما انتقم لنفسه قط. وخذ مثالاً آخر: هذا الوزير ابن هبيرة الذي ذكرتُ لكم طرفاً من خبره، دخل رجل يسأل في مجلسه، فغضب ابن هبيرة وقال للحاجب: «أما قلتُ لك أعطِ هذا عشرين ديناراً ووِقراً من الطعام وقل له لا تحضر عندي؟!»، فقال: «قد أعطيناه»، فقال: «عُد وأعطه وقل له لا تحضر». فلما انصرف الرجل قال ابن هبيرة لأصحابه: «هل عجبتم من هذا الجواب والرد الذي رددتُ به؟»، قالوا: «نعم»، قال: «هذا الرجل الذي رأيتم قبل قليل كان شِحنة في القرى -يعني أنه من الحاشرين، يعني يُرسل ليحضر أناساً في قضية، في جناية، في تحقيق؛ يأخذ رؤساء القبائل، يأخذ وجهاء البلد أو القرية ويحضرهم للسلطان- فكان شِحنة في القرى، فقُتل قتيل في ناحية البلد التي فيها ابن هبيرة، فجاء هذا الرجل وأخذ مشايخ القرى، وأخذ ابن هبيرة مع الجماعة؛ وابن هبيرة على قدمه، والرجل على فرس، فجعل يؤذي ابن هبيرة، ويمشيه مع الفرس، ثم ربطه، ثم أخذ من كل واحد من هؤلاء قدراً من المال وسرّحهم، فوضى! ثم بعد ذلك جاء لابن هبيرة وقال: هات ما معك! قال: ما معي شيء، يقول: فانتهرني، وضربني مقارِع على رأسي، يقول: ولم أنقم عليه شيئاً من ذلك؛ لكني كنتُ أستأذن أن أصلي الفرض، فأبى أن يأذن لي، فأنا أنقم عليه لأنه رفض أن يسمح لي بالصلاة، صلاة الفريضة، حيث أدركتني في الطريق». يقول بعد ذلك ابن هبيرة: جاء به وولاّه على بعض العمل: إصلاح معايش الأمراء، يعني أملاكهم الخاصة يديرها؛ ما انتقم منه وقال: «هذه الفرصة الذهبية»، لا، أعطاه، وأكرمه، وولاّه، وما انتصر لنفسه. كما اشترك ابن هبيرة رحمه الله هذا صاحب القلب الكبير قديماً قبل الوزارة مع رجل أعجمي في زراعة، فوقع بينهما شيء، فقام هذا الأعجمي وضرب ابن هبيرة ضرباً مبرحاً! فلما وَلِيَ الوزارة استدعاه -طبعاً المتوقع: التأديب، والتعزير، والانتقام، بل والقتل- أبداً! جاء به وأعطاه، ووهب له، وولاّه ولاية. ويقول عنه تلميذه ابن الجوزي رحمه الله، يقول: «كان يملي علينا كتاب الإفصاح، فجاء رجلان أحدهما قد أسر الرجل الآخر يقوده معه، يقول: هذا قتل أخي، فأَقِدْني منه -أريد أن أقتص-، فقال ابن هبيرة: أقتلته؟ قال: نعم، جرى بيني وبينه مشادة فقتلته، فقال الخصم: سلّمه لي؛ فقد أقر بالقتل، قال ابن هبيرة: أطلقوه ولا تقتلوه، قالوا: كيف ذلك وقد قتل أخانا؟! قال: فبِعْهُ لي»، فاشتراه منهم بأضعاف الدية: بستمئة دينار، وسلّم الذهب لهم. فلما ذهبوا قال له: «اجلس»، فجلس عنده وأعطاه خمسين ديناراً ثم ذهب! فتعجب ابن الجوزي ومن معه قالوا: «كيف تصنع مع هذا؟! رجل قتل إنساناً، ادفعه إليهم يقتلونه، لماذا تبالغ في رفع الدية وتعوضهم هذا التعويض ثم تعطيه؟!»، فقال: «هل تعلمون أني لا أبصر بعيني اليمنى منذ أربعين سنة؟»، قالوا: «لا»، قال: «هذا الرجل مرّ بي قبل أربعين سنة ومعه سلة فاكهة، فقال: احملها، وكان معي كتاب في الفقه، فقلت: ليس هذا بعملي، ابحث عن حَمّال؛ فغضب، ولكمني، ولطمني، وضربني، وقلع عيني! ومضى ولم أره إلا هذه الساعة!». لاحظ: الآن هذا الرجل قاتل، يُقتص منه والحمد لله، لا تقتص أنت منه، ولا تقتل، ولا تنتقم، لكن دعهم يقتصون: يداك أوكتا وفوك نفخ، جنيتَ على نفسك، الحمد لله الذي أوقعك بسوء عملك! لا، فداه، وأعطاه، وأكرمه! مَن، مَن يا إخوان منا يفعل ذلك؟! يقول: «أردتُ أن أقابل إساءته بالإحسان». لو صادفتَ سباباً شتّاماً في مكان: في مدرستك، في عملك، في السوق، فقال لك كما قال رجل للأحنف بن قيس: «لئن قلتَ واحدة، لتسمعنّ عشراً!»؛ يقول: ترى أخلاق شوارع، لسان شوارع، كلمة تقولها تسمع عشر! يقول له: «لستُ بناقص للبذاءة»، فماذا قال الأحنف بن قيس؟ قال: أنا أرد عليك بألف وأقطع لسانك؟ أبداً! قال: «لكنك إن قلتَ عشراً، لن تسمع واحدة! لن تسمع واحدة!». قالوا سكتَّ وقد خُوصِمتَ قلتُ لهم ... إن الجوابَ لبابِ الشرِّ مفتاحُ فالعفوُ عن جاهلٍ أو أحمقٍ أدبٌ ... نعم وفيه لصَوْنِ العِرْضِ إصلاحُ إن الأسودَ لَتُخشى وهي صامتةٌ ... والكلبُ يُحثى ويُرمى وهو نبّاحُ وأنت أيها الداعية: كيف تتصرف حينما يتصرف أحد المدعوين نحوك بتقصير، أو بكلمة، أو بفعل لا يليق؛ كيف تصنع؟ تعاديه؟ تجانبه؟ تجفوه؟ تأمر أصحابك بأن يقاطعوه ويهجروه؟ تتخذ منه موقفاً: هو في سبيله وأنت في سبيلك من أجل نفسك؟! هذا لا يليق أيها الإخوان. أخرج الشيخان من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحكي نبياً من الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». لو ضربك أحد من المدعوين فأدماك، ماذا تقول عنه؟ تدعو عليه؟ تلعنه؟ تضربه؟ «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». أنت أيها المسؤول، أيها المدير في المدرسة، في الشركة: إذا جاك أحد المراجعين ويتكلم بنفس مشحونة، وبلغة مستعلية، يتكلم معك كأنك أجير عنده؛ كيف تصنع؟ جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجذب رداءه حتى أثر في رقبته، يقول: «أعطني؛ فإنك لا تعطيني من مال أبيك ولا أمك!»؛ هذه لو قالها لأحد غير النبي صلى الله عليه وسلم لسبقه رأسه قبل أن يكمل هذه الأحرف! فماذا صنع النبي صلى الله عليه وسلم؟ عاداه؟ اتخذ منه موقفاً؟ أبداً! أعطاه، وأعطاه، وأعطاه حتى رضي؛ هذه أخلاق الأنبياء. نحن أيها الإخوان في هذا المسجد، يا معاشر المصلين: لو أن أحد الأطفال الموجودين الآن وقف على هذه الطاولة وجلس يتبول أعزكم الله، أو جاء رجل كبير وذهب إلى ناحية في المسجد الآن وجلس يتبول؛ ماذا سنصنع به؟ كان لا يدري هو في يد من، نسأل الله العافية! هذا يضربه، وهذا يلعنه، والذي لا يستطيع الوصول إليه يتابع له السب والشتم ويرشقه بقبيح القول! جاء رجل إلى المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، وعمد إلى ناحية من نواحي المسجد وشجّ يبول، ما وجد مكاناً إلا المسجد! فنهره الصحابة، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «لا تزرموه بوله» لا تقطعوا عليه البول لئلا يتضرر؛ تقطع عليه التبول في النصف يتضرر، دعوه يكمل! ثم أمر بذنوب من ماء فصُبّ عليه، بسجْل من ماء فصُبّ عليه، ثم علّمه وقال: «هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من أذى الناس»، انتهت المشكلة! ما أصابه ضرب، ولا داسوه بالأقدام، ولا سحبوه برجله وأخرجوه من المسجد، ولا حبسوه، ولا فعلوا له شيئاً آخر؛ ما يصلح فيها شيء من أذى الناس. فمثل هذا الإنسان يمتلئ قلبه بهذا، يقول: «بأبي هو وأمي، والله ما كهرني ولا نهرني، ما رأيتُ معلماً قبله ولا بعده خيراً منه!». فهل نحن كذلك مع الطلاب؟ مع المدعوين؟ مع المصلين؟ تخيل لو أن الإمام في مسجدك تأخر في السجود، ثم رفعتم رؤوسكم فرأيتم أطفال الإمام فوق ظهره يلعبون؛ ماذا ستقولون للإمام؟! وماذا ستقولون لهؤلاء الأطفال؟! بعدما تسمعون هذا الإمام ما يكره، تذهبون زرافات ووحداناً إلى الأوقاف ليفصلوا هذا الإمام ويؤدبوه! يأتي بأطفاله يلعبون فوق ظهره وهو يصلي في المحراب في الروضة؟! ما وجدوا شيئاً يلعبون به ويلتهون به إلا هذا؟! النبي صلى الله عليه وسلم تأخر في السجود، فرفع بعضهم رأسه فوجد الحسن أو الحسين على ظهره صلى الله عليه وسلم، فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته بيّن لهم سبب التأخر، وقال: «إن ابني قد ارتحلني -جعلني راحلة يركب فوق ظهر النبي صلى الله عليه وسلم- فكرهتُ أن أعجله»؛ كَرِه أن يستعجل على هذا الولد! ونحن مباشرة إذا رأينا طفلاً تحرك حركة بسيطة: «جنبوا صبيانكم ومجانينكم المساجد!» وهو حديث لا يصح لا أصل له. الأب لهذا الطفل وجهه يحمر ويصفر، قد تكون عنده ظروف، قد يكون في حال يُرثى لها يحتاج إلى مواساة، قد تكون أمهم في حال من المرض فخرج بهم، قد تكون هذه الأم تعيش مشكلة أزمة نفسية فخرج بهؤلاء الأطفال عنها، ثم نحن نصنع به ذلك! النبي صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر، ينزل من المنبر لما خرج الحسن أو الحسين يقوم ويقع يخبّ في ثوب أحمر، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم قطع الخطبة وضمه إليه وحمله وذهب به إلى المنبر، وقال: «صدق الله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾؛ لما رأيتُ ابني هذا يقوم ويقع لم أحتمل حتى احتملته» أو كما قال عليه الصلاة والسلام. لو فعلها الإمام الخطيب يوم الجمعة، أخذ ولد بنته وحمله بهذه الطريقة؟! كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ويحمل أُمامة بنت بنت النبي صلى الله عليه وسلم، إذا قام حملها، وإذا سجد أو ركع وضعها على الأرض، وهكذا طول الصلاة؛ لو فعله الإمام، ماذا نصنع به يا إخوان؟! هذه أخلاق، أخلاق يتربى عليها الجيل، يتربى عليها الصغار، يعيشون في كنف هؤلاء بنفوس أبيّة عالية، يجدون من يحتضنهم. أما أن نكفهر في وجوه إخواننا، وأن نعاملهم معاملة فظة صلفة؛ فهذا لا يكون أيها الإخوان من أصحاب النفوس الكبيرة. إذا وجدتَ إنساناً تعاملتَ معه وابتليتَ به في شراكة، في معاملة، وأراد أن يدخلك في مهاترات؛ فهل تنزل معه؟ كان مالك رحمه الله يصف القاسم بن محمد من علماء التابعين، يقول: «قد يكون بينه وبين رجل من الناس مداراة في الشيء، فكان القاسم يقول: هذا الذي تريد أن تخاصمني فيه هو لك؛ فإن كان حقاً فهو لك فخذه ولا تحمدني فيه، وإن كان لي فأنت لي منه في حِلّ وهو لك، بس اتركني!». لا أنزل معك، لا أهبط بأخلاقي وتقع المهاترات على أشياء تافهة. أنت أيها الزوج: كيف تتصرف حينما تتعذر العِشرة بينك وبين امرأتك؟ بعض الأزواج يضيّق عليها ويشدد الخناق، بل بعضهم -ولا أبالغ أيها الإخوان- قد يفصل الكهرباء من البيت؛ ليضطر هذه المرأة بألوان من التضييق والأذى لتطلب الطلاق هي، لتفتدي منه فتدفع له ما خسر كما يزعم، تدفع له المهر والتكاليف التي دفعها في زواجه وقد استمتع بها ولربما أكل شبابها! أين المروءات؟! أين المروءات؟! حينما يقف الإنسان ولا رغبة له في المرأة، يقف وكأنما يجلس على الجمر لكراهيته لها والبقاء معها، من أجل أن تطلب هي الطلاق وقد تعذرت العِشرة؛ فحينما يقع ذلك، كيف تتصرف؟ هذا جبير بن مطعم تزوج امرأة فسمّى لها صداقاً وطلّقها قبل الدخول، ثم تلا هذه الآية: ﴿إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، فقال: «أنا أحق بالعفو»، فسلّم إليها الصداق كاملاً مع أنه يستحق نصف الصداق! لو أن هذه الزوجة تصرفت معك تصرفاً لا يليق، هل ينبثق ذلك عن أحقاد؟ هل ترميها بالثلاث كما يفعل بعضهم؟ هل تضربها؟ هل تعذبها؟ هل تهجرها هجراً مليّاً؟ بعض النساء تقول: «يهجرني من سنوات»، وبعضهن تقول: «أُصبتُ بالصرع المتكرر من كثرة ما يضربني على رأسي»، وبعضهن تقول: «يدخل بشتم، ويخرج بشتم من غير سبب!». نقول لها: تجنبي الأمور التي تثيره، تقول: «هو يأتي ثائراً أصلاً، لم أترك شيئاً إلا صنعته معه، ويغضب على أتفه الأسباب!». ولربما في مناسبات لا يليق فيها هذا الصنيع: ليلة العيد، صبيحة يوم العيد! بعض النساء تتصل تسأل تقول: «طلّقني بالثلاث في صبيحة العيد؛ لأني كنتُ أوقظه ليأكل ما أعددتُ له من طعام ثم يخرج إلى المسجد، فتقول: فرماني بالثلاث، وقام إليّ ونثر الطعام في المطبخ، وضربني ضرباً مبرحاً، وشتمَني وشتمَ أهلي في صبيحة يوم العيد!»، نسأل الله العافية! وماذا صنعت؟! هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟! النبي صلى الله عليه وسلم قالت له عائشة: «أنت الذي تزعم أنك رسول الله؟!» كلمة كبيرة! فماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ ما زاد أيها الإخوان على أن تبسم، ما زاد على أن تبسم! لو قالت لك زوجتك: «أنت تعتبر نفسك رجل صاحب مروءة؟!» ماذا ستصنع بها؟! أظن أن لحمها سيختلط بثيابها! لا أظنها تسلم نفسها وتخرج حية في ذلك الموقف! النبي صلى الله عليه وسلم عنده أصحابه، فأرسلت له إحدى زوجاته -وكانت تجيد صنع الطعام- أرسلت له قصعة فيها طعام، فتحركت غيرة الأخرى -وقد جاءت تسمية هؤلاء الزوجات رضي الله تعالى عنهن في بعض الروايات، وأصل الحديث في الصحيح، وقد جاء بروايات متعددة عند النسائي وغيره وهي صحيحة-، فأرسلت إليها؛ في بعض الروايات أنها ضربت يد النبي صلى الله عليه وسلم فسقطت القصعة وانكسرت وانتثر الطعام، وفي بعض الروايات أنها أرسلت جاريتها فأخذت القصعة ورمت بها في الأرض غيرة أمام الضيوف، وفي بعض الروايات أنها جاءت متوشحة وأخذت أمام الضيوف أخذت القصعة ورمت بها في الأرض فانكسرت؛ فماذا صنع النبي صلى الله عليه وسلم؟ أمر الجارية أن تأتي من هذه التي كسرت القصعة، أن تأتي منها بقصعة جديدة، فوضع فيها الطعام وقال: «قصعة بقصعة، وطعام بطعام»، وانتهت المشكلة! ما قال: «سوّدتِ وجهي أمام الضيوف، وأحرجتِني!»؛ هذه الأمثلة التي قصدتُ إيرادها أيها الإخوان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأني لو جئتُ بها عن أحد آخر لربما قال قائل كلاماً لا يليق، لما غلب على نفوسنا من المشاحّة في هذه الأمور، وبعض الرواسب من الأخلاق السيئة، والعلو الزائد على المرأة، ومعاملتها أحياناً معاملة بشيء من الأنفة منها: «قصعة بقصعة، وطعام بطعام» وانتهت المشكلة؛ ما رجع إليها، ما ضربها، ما طلّقها، ما هجرها، أبداً! انتهت المشكلة على هذا الأساس. وأنتِ أيتها المرأة: إذا صدرت من الزوج كلمة، هل تحسبينها له في ملف؟ في سجل؟ لا تنسين هذه الإساءة والخطأ؟ وإذا كان لكِ خادمة، أو أنت إذا كان لك سائق، خادم، فأخطأ في حقك، قصّر؛ إذا كسرت الخادمة إناءً، كيف نصنع بها؟ النبي صلى الله عليه وسلم -كما في حديث ابن عمر- جاءه رجل فقال: «يا رسول الله، كم نعفو عن الخادم؟»، فصمت، ثم أعاد إليه فصمت، فلما كانت الثالثة قال: «اعفوا عنه في كل يوم سبعين مرة»؛ الحديث أخرجه أبو داود وإسناده صحيح كما قال الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله. «اعفوا عنه في اليوم سبعين مرة!» كم نعفو عن الخادمة نحن في اليوم الواحد؟! في السنة كم نعفو عنها؟! كم نعفو عن السائق في السنة؟! لو جاك السائق وقد صدم في السيارة، ووجهه يتقلب خوفاً منك؛ ماذا تصنع به؟ مرمطة، وضرب، ومجازاة، ويُدفّع هذا الفقير من رواتبه -وما هذه الرواتب؟!- يُدفّع قيمة هذه الجناية! ابن عون من العلماء كان له ناقة جيدة تعجبه، يحج عليها ويغزو عليها، فأرسل عليها خادماً رقيقاً له يستقي الماء، فالخادم فيه شيء من الرعونة والصَّلَفَة فجعل يضربها على وجهها حتى سالت عينها على خدها! فلما رآها الناس قالوا: «الآن تظهر أخلاق ابن عون، الآن يتضح معدنه!». فلما جِيء بالناقة ومعها الخادم تسيل عينها على خدها، قال له: «سبحان الله! أفلا غير الوجه؟! هلا ضربتها في غير الوجه؟! بارك الله فيك، اخرج عني؛ اشهدوا أنه حر!». والمرأة المسلمة إذا كان لها ضرائر، إذا كان للرجل زوجات أُخَر؛ هل تعيش في أحقاد؟ في عداوات؟ ضغائن؟ لا تنام الليل، تبيت مفكرة في كل كلمة قيلت لها؟ هذه أم حبيبة عند موتها -أم المؤمنين رضي الله عنها- دعت عائشة وقالت: «قد يكون بيننا ما يكون بين الضرائر، فغفر الله لي ولكِ ما كان من ذلك»، فقالت عائشة: «غفر الله لكِ ذلك كله، وحلّلكِ من ذلك»، فقالت: «سررتِني سرّكِ الله!»، وأرسلت إلى أم سلمة فقالت مثل ذلك. وبعد أيها الإخوان: فهل نحن نتحلى بهذه الأخلاق، أخلاق الكبار؟ لا أقول أخلاق كبار السن، بل أخلاق كبار النفوس. هل نحن كذلك؟ الأمر كما قيل: «ليس الحليم من ظُلم فحلم حتى إذا قدر انتقم، ولكن الحليم من ظُلم فحلم حتى إذا قدر عفا». فلماذا لا نغير من أنفسنا؟ لماذا ونحن نستحسن هذه الأوصاف والأخلاق، لماذا لا نغير؟ لماذا لا نعزم من هذه اللحظة أن نرجع لأهلنا بوجه جديد؟ هل نسمع نحن لمجرد السماع والفكاهة والتسلية؟ معاذ الله! أضف إلى ذلك ما يحصل من هذه الخلّة من الآثار الحميدة: اجتماع الكلمة، تأليف القلوب: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾؛ إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم -أكمل الخلق- ينفضّون من حوله لو كان صلفاً على أصحابه، فأمر الله بالعفو والإحسان والصفح. أضف إلى ذلك ما يحصل لك من الثواب وأنت ترجو ما عند الله عز وجل، والله يقول: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾، ويقول: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ثم ذكر أوصافهم إلى أن قال: ﴿أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾، ومن أوصافهم أنهم يكظمون الغيظ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. والله يقول: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ﴾ -لا يأتَلِ: لا يحلف ويمتنع- ﴿أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ﴾ أصحاب المراتب العالية، والسعة، أصحاب الغنى والمال، ﴿أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ قالها الله في أبي بكر لما اتُهمت ابنته في عرضها، ومَن المتّهم؟! رئيس المنافقين، وتابعه على ذلك بعض المسلمين. والجزاء أيها الإخوان من جنس العمل؛ كما أخرج الشيخان في خبر ذلك التاجر الذي كان يداين الناس، فإذا رأى معسراً قال لفتيانه: «تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا»، فتجاوز الله عنه؛ فإذا عفوتَ عن الناس وتجاوزتَ عن زلاتهم وأخطائهم، فالله عز وجل يتجاوز عنك. أضف إلى ذلك كسر العداوة التي في النفوس، وسد أبواب الشيطان: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾؛ يقول ابن عباس: «الصبر عند الغضب -يعني معنى الآية- والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوه عصمهم الله عز وجل وخضع لهم عدوهم». أضف إلى ذلك ما يحصل لك أنت من النعيم، والسعادة، وانشراح الصدر، والأنس؛ يا إخوان، الغِلّ على اسمه: يتعذب الإنسان به قبل غيره، وقد يكون الإنسان الآخر لا يدري عنك، وأنت تعيش في أغلالك وأحقادك تُرهقك وتثقلك وتقعدك عن العمل وعن طاعة الله عز وجل والأنس بعبادته والسرور بمناجاته! فأقول: «لذة العفو -كما قال بعضهم- أعذب من لذة التشفي، وأقبح فِعال المقتدر الانتقام». فهذا خلق حسن من الأخلاق الإسلامية الطيبة، وهو دليل على سعة الصدر، وحسن الظن بالناس، والترفع عن الدنايا والسفاسف. أسأل الله عز وجل أن ينفعني وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، وأن يلهمنا وإياكم رشدنا، وأن يقينا شر أنفسنا، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

(( ))سليم يادنيا كيف's profile picture
(( ))سليم يادنيا كيف2 days ago

استتر يافتال

Related Videos