عبدالله ال موسى's banner
عبدالله ال موسى's profile picture

عبدالله ال موسى

@abdulalmosa615 • 14,938 subscribers

تربوي . متقاعد ، مهتم بالتراث والآثار

Shorts

«مزارق طيب».. عبارة دخيلة على موروثنا؟ تتردد في الآونة الأخيرة عبارة «بيننا وبين آل فلان مزارق طيب»، وقد انتشرت عبر المقاطع ووسائل التواصل حتى أخذ يرددها بعض أبناء منطقتنا، مع أنني لا أذكر أنها كانت من العبارات المتداولة عند آبائنا وكبار السن. كانوا يقولون: بيننا وبين آل فلان صداقة، وعَنوة، ونسب، وصلة رحم، ومواقف ومعروف؛ وهي ألفاظ واضحة وأصيلة في بيئتنا. واللافت أن مادة «زرق» في المعاجم لا تحمل في أصلها هذا المعنى؛ فقد جاء: «زَرَقَ الطائرُ بمخلفاته: رمى بها»، ووردت كلمة «مِزْراق» بمعانٍ أخرى بعيدة عن المودة والوفاء. قال أَبو منصور : وسمعت بعض العرب يقول للبعير الذي يؤخر حمله إلى مؤخَّره مِزْراقٌ ، ورأَيت جَمَلًا عندهم يسمى مِزْراقاً لتأْخيره أَداته وما حمل عليه . ولا أجزم بأن عبارة «مزارق طيب» حديثة النشأة؛ فلعلها قديمة في بعض البيئات، لكنها ـ فيما أعلم ـ ليست من مأثور ألفاظ أهل منطقتنا، وإنما اتسع تداولها حديثًا. وهنا تكمن أهمية التمييز بين الموروث الأصيل والعبارة الوافدة أو المستحدثة؛ فليس كل ما اشتهر اليوم كان معروفًا بالأمس، وليس كل ما تتناقله وسائل التواصل جزءًا من موروثنا. فلنحفظ ألفاظ آبائنا كما حفظنا عاداتهم؛ فاللغة أيضًا جزء من الموروث.

«مزارق طيب».. عبارة دخيلة على موروثنا؟ تتردد في الآونة الأخيرة عبارة «بيننا وبين آل فلان مزارق طيب»، وقد انتشرت عبر المقاطع ووسائل التواصل حتى أخذ يرددها بعض أبناء منطقتنا، مع أنني لا أذكر أنها كانت من العبارات المتداولة عند آبائنا وكبار السن. كانوا يقولون: بيننا وبين آل فلان صداقة، وعَنوة، ونسب، وصلة رحم، ومواقف ومعروف؛ وهي ألفاظ واضحة وأصيلة في بيئتنا. واللافت أن مادة «زرق» في المعاجم لا تحمل في أصلها هذا المعنى؛ فقد جاء: «زَرَقَ الطائرُ بمخلفاته: رمى بها»، ووردت كلمة «مِزْراق» بمعانٍ أخرى بعيدة عن المودة والوفاء. قال أَبو منصور : وسمعت بعض العرب يقول للبعير الذي يؤخر حمله إلى مؤخَّره مِزْراقٌ ، ورأَيت جَمَلًا عندهم يسمى مِزْراقاً لتأْخيره أَداته وما حمل عليه . ولا أجزم بأن عبارة «مزارق طيب» حديثة النشأة؛ فلعلها قديمة في بعض البيئات، لكنها ـ فيما أعلم ـ ليست من مأثور ألفاظ أهل منطقتنا، وإنما اتسع تداولها حديثًا. وهنا تكمن أهمية التمييز بين الموروث الأصيل والعبارة الوافدة أو المستحدثة؛ فليس كل ما اشتهر اليوم كان معروفًا بالأمس، وليس كل ما تتناقله وسائل التواصل جزءًا من موروثنا. فلنحفظ ألفاظ آبائنا كما حفظنا عاداتهم؛ فاللغة أيضًا جزء من الموروث.

81,946 views

(الرجال لم يُخلقوا للضرب والطعن والحديد) من العبارات التي تتردد أحيانًا في مجالس الصلح والسعي بين الناس قولهم: «الرجال ما خُلقوا إلا للضرب والطعن والحد والحديد». ولا شك أن من يسعون في الإصلاح بين الناس، ويطفئون نار الخصومات، ويبذلون جاههم لحقن الدماء وجمع القلوب، هم على خير عظيم، ومقاصدهم محل تقدير واحترام. غير أن حسن المقصد لا يمنع من مراجعة بعض العبارات الموروثة التي قد يكون أثرها في النفوس أشد من مقصود قائلها. فهذه العبارة، وإن قيلت بحسن نية وفي سياق التهوين من آثار الخصومة، قد تحمل رسالة خطرة إلى بعض الشباب؛ إذ قد يسمعها شاب طائش، أو جاهل مندفع، فيتوهم أن الضرب والطعن وسفك الدماء من دلائل الرجولة، وأن العنف عنوان الشجاعة، فيندفع إلى ما لا تُحمد عقباه وهو يظن أنه يثبت رجولته. والرجولة أبعد ما تكون عن ذلك. فالرجال لم يُخلقوا ليعتدي بعضهم على بعض، ولا ليُشهروا السلاح في وجوه إخوانهم، ولا ليجعلوا من الخصومة ميدانًا لإثبات الشجاعة. إنما تكون القوة والبطولة في موضعهما المشروع: دفاعًا عن الدين والوطن والمقدسات والأعراض، وحمايةً للناس وصونًا للأمن، لا في خصومات عابرة قد تبدأ بكلمة وتنتهي بدمٍ مسفوك، وأسرةٍ مفجوعة، وأخرى فقدت ابنها خلف القضبان. أما فيما بيننا، مسلمين ومواطنين وإخوةً وأقارب وجيرانًا، فالرجولة الحقيقية في كظم الغيظ، وضبط النفس، والعفو عند المقدرة، وإصلاح ذات البين، واحترام الأنظمة، وصيانة الدماء والأعراض. والقوي ليس من يبطش حين يغضب، بل من يملك نفسه حين تثور دواعي الغضب والانتقام. ولنراجع خطابنا أمام أبنائنا وشبابنا؛ فالكلمة التي يطلقها العاقل على سبيل المجاز قد يأخذها الجاهل على حقيقتها، والعبارة التي يرددها الكبير عفوًا قد يحولها المندفع إلى سلوك يدفع ثمنه هو وأسرته ومجتمعه. فلنقل لأبنائنا بوضوح: الرجولة ليست سلاحًا يُشهر، ولا دمًا يُسفك، ولا خصومةً يُنتصر فيها للنفس؛ الرجولة عقلٌ عند الغضب، وحِلمٌ عند الاستفزاز، وشجاعةٌ في العفو، وقوةٌ في منع النفس من الظلم. ثم إن الغاية التي خُلق الإنسان من أجلها قد بينها الله تعالى بيانًا لا لبس فيه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. فما أحوجنا إلى أن نستبدل بثقافة «الضرب والطعن والحديد» ثقافة الحكمة والعفو والإصلاح وصيانة الدماء؛ فالمجتمعات لا يحفظ هيبتها كثرة السلاح، وإنما يحفظها وعي رجالها، وحكمة عقلائها، وعدلهم، وقدرتهم على إطفاء الفتنة قبل أن تستعر. فليس كل من قدر على الضرب رجلًا، ولكن الرجل حقًا من قدر على نفسه حين يغضب، وحفظ دم أخيه، وأغلق باب الشر قبل أن يُفتح.

(الرجال لم يُخلقوا للضرب والطعن والحديد) من العبارات التي تتردد أحيانًا في مجالس الصلح والسعي بين الناس قولهم: «الرجال ما خُلقوا إلا للضرب والطعن والحد والحديد». ولا شك أن من يسعون في الإصلاح بين الناس، ويطفئون نار الخصومات، ويبذلون جاههم لحقن الدماء وجمع القلوب، هم على خير عظيم، ومقاصدهم محل تقدير واحترام. غير أن حسن المقصد لا يمنع من مراجعة بعض العبارات الموروثة التي قد يكون أثرها في النفوس أشد من مقصود قائلها. فهذه العبارة، وإن قيلت بحسن نية وفي سياق التهوين من آثار الخصومة، قد تحمل رسالة خطرة إلى بعض الشباب؛ إذ قد يسمعها شاب طائش، أو جاهل مندفع، فيتوهم أن الضرب والطعن وسفك الدماء من دلائل الرجولة، وأن العنف عنوان الشجاعة، فيندفع إلى ما لا تُحمد عقباه وهو يظن أنه يثبت رجولته. والرجولة أبعد ما تكون عن ذلك. فالرجال لم يُخلقوا ليعتدي بعضهم على بعض، ولا ليُشهروا السلاح في وجوه إخوانهم، ولا ليجعلوا من الخصومة ميدانًا لإثبات الشجاعة. إنما تكون القوة والبطولة في موضعهما المشروع: دفاعًا عن الدين والوطن والمقدسات والأعراض، وحمايةً للناس وصونًا للأمن، لا في خصومات عابرة قد تبدأ بكلمة وتنتهي بدمٍ مسفوك، وأسرةٍ مفجوعة، وأخرى فقدت ابنها خلف القضبان. أما فيما بيننا، مسلمين ومواطنين وإخوةً وأقارب وجيرانًا، فالرجولة الحقيقية في كظم الغيظ، وضبط النفس، والعفو عند المقدرة، وإصلاح ذات البين، واحترام الأنظمة، وصيانة الدماء والأعراض. والقوي ليس من يبطش حين يغضب، بل من يملك نفسه حين تثور دواعي الغضب والانتقام. ولنراجع خطابنا أمام أبنائنا وشبابنا؛ فالكلمة التي يطلقها العاقل على سبيل المجاز قد يأخذها الجاهل على حقيقتها، والعبارة التي يرددها الكبير عفوًا قد يحولها المندفع إلى سلوك يدفع ثمنه هو وأسرته ومجتمعه. فلنقل لأبنائنا بوضوح: الرجولة ليست سلاحًا يُشهر، ولا دمًا يُسفك، ولا خصومةً يُنتصر فيها للنفس؛ الرجولة عقلٌ عند الغضب، وحِلمٌ عند الاستفزاز، وشجاعةٌ في العفو، وقوةٌ في منع النفس من الظلم. ثم إن الغاية التي خُلق الإنسان من أجلها قد بينها الله تعالى بيانًا لا لبس فيه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. فما أحوجنا إلى أن نستبدل بثقافة «الضرب والطعن والحديد» ثقافة الحكمة والعفو والإصلاح وصيانة الدماء؛ فالمجتمعات لا يحفظ هيبتها كثرة السلاح، وإنما يحفظها وعي رجالها، وحكمة عقلائها، وعدلهم، وقدرتهم على إطفاء الفتنة قبل أن تستعر. فليس كل من قدر على الضرب رجلًا، ولكن الرجل حقًا من قدر على نفسه حين يغضب، وحفظ دم أخيه، وأغلق باب الشر قبل أن يُفتح.

59,117 views

لقد تجاوز الأمر حدود المقبول، وأصبح بعض مظاهر التفاخر في المناسبات يخرج عن قيم المجتمع وأخلاقه، حتى غدا الكرم عند بعض الناس يُقاس بالمظاهر والاستعراض لا بحسن الضيافة وطيب الخلق. وحاشا أن يكون الكرم تبذيرًا، أو مفاخرةً، أو خروجًا عن الأعراف الرشيدة التي عُرف بها مجتمعنا. فالكريم يكرم ضيفه بعزة ووقار، لا بضجيج المظاهر ولا بإثارة دهشة الناس. إن استمرار هذه التصرفات يفتح بابًا خطيرًا للتنافس في الإسراف، ويحمّل كثيرًا من الناس ما لا يطيقون مجاراةً للمظاهر، وهو ما نهى عنه الشرع، ويتنافى مع قيم الاعتدال التي قامت عليها هذه البلاد المباركة. ومن هنا فإن تدخل الجهات المختصة لوضع ضوابط تحد من هذه المبالغات أصبح ضرورةً لحماية المجتمع من ثقافة التفاخر والإسراف، وصونًا للعادات الأصيلة من أن تتحول إلى سباق في العبث بالمال وإرهاق الناس. فالكرم خُلُق، وليس استعراضًا، والوجاهة تُكتسب بحسن السمت ونبل الأخلاق، لا بالمظاهر التي لا تزيد صاحبها إلا تكلفًا، ولا المجتمع إلا عبئًا.

لقد تجاوز الأمر حدود المقبول، وأصبح بعض مظاهر التفاخر في المناسبات يخرج عن قيم المجتمع وأخلاقه، حتى غدا الكرم عند بعض الناس يُقاس بالمظاهر والاستعراض لا بحسن الضيافة وطيب الخلق. وحاشا أن يكون الكرم تبذيرًا، أو مفاخرةً، أو خروجًا عن الأعراف الرشيدة التي عُرف بها مجتمعنا. فالكريم يكرم ضيفه بعزة ووقار، لا بضجيج المظاهر ولا بإثارة دهشة الناس. إن استمرار هذه التصرفات يفتح بابًا خطيرًا للتنافس في الإسراف، ويحمّل كثيرًا من الناس ما لا يطيقون مجاراةً للمظاهر، وهو ما نهى عنه الشرع، ويتنافى مع قيم الاعتدال التي قامت عليها هذه البلاد المباركة. ومن هنا فإن تدخل الجهات المختصة لوضع ضوابط تحد من هذه المبالغات أصبح ضرورةً لحماية المجتمع من ثقافة التفاخر والإسراف، وصونًا للعادات الأصيلة من أن تتحول إلى سباق في العبث بالمال وإرهاق الناس. فالكرم خُلُق، وليس استعراضًا، والوجاهة تُكتسب بحسن السمت ونبل الأخلاق، لا بالمظاهر التي لا تزيد صاحبها إلا تكلفًا، ولا المجتمع إلا عبئًا.

55,002 views

وأخيراً وقع ما كنّا نحذّر منه طوال السنوات الماضية، من ترك الإبل السائبة تسرح وتمرح في الطرق العامة بمحافظة سراة عبيدة، حتى وقع المحذور. فقد وقع حادث على طريق سراة عبيدة–الجوة، في قرية المصياد، أسفر عن إصابات وتلفيات في المركبات، بينما لا يزال أصحاب الإبل لا يحرّكون ساكناً، في ظل عدم قيام الجهات المختصة بدورها تجاه هذه الظاهرة، رغم تنبيهنا إليها والتحذير من خطورتها طوال ثلاث سنوات. لقد كنّا ننبّه إلى أن ترك الإبل السائبة على الطرق ليس أمراً عابراً، وأن وقوع مثل هذه الحوادث مسألة وقت، حتى وقع ما كنّا نخشاه. فهل تتحرك الجهات المختصة الآن، وتتخذ الإجراءات اللازمة، قبل أن تتكرر الحوادث وتكون العواقب أشد؟.

وأخيراً وقع ما كنّا نحذّر منه طوال السنوات الماضية، من ترك الإبل السائبة تسرح وتمرح في الطرق العامة بمحافظة سراة عبيدة، حتى وقع المحذور. فقد وقع حادث على طريق سراة عبيدة–الجوة، في قرية المصياد، أسفر عن إصابات وتلفيات في المركبات، بينما لا يزال أصحاب الإبل لا يحرّكون ساكناً، في ظل عدم قيام الجهات المختصة بدورها تجاه هذه الظاهرة، رغم تنبيهنا إليها والتحذير من خطورتها طوال ثلاث سنوات. لقد كنّا ننبّه إلى أن ترك الإبل السائبة على الطرق ليس أمراً عابراً، وأن وقوع مثل هذه الحوادث مسألة وقت، حتى وقع ما كنّا نخشاه. فهل تتحرك الجهات المختصة الآن، وتتخذ الإجراءات اللازمة، قبل أن تتكرر الحوادث وتكون العواقب أشد؟.

29,335 views

لقد بلغ الاستهتار بالنِّعَم مبلغًا مؤسفًا، فإن صحَّ ما ورد في الفيديو فالمصيبة عظيمة، وإن كان على سبيل المزاح فهو من باب الاستهزاء بنِعَم الله. وحولنا أناس يتضورون جوعًا، نسأل الله ألّا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا. وإنني أتمنى من الجهات الرسمية تجريم مثل هذه الأفعال، لما يترتب عليها من أضرار تعمّ البلد. نسأل الله السلامة والعافية.

لقد بلغ الاستهتار بالنِّعَم مبلغًا مؤسفًا، فإن صحَّ ما ورد في الفيديو فالمصيبة عظيمة، وإن كان على سبيل المزاح فهو من باب الاستهزاء بنِعَم الله. وحولنا أناس يتضورون جوعًا، نسأل الله ألّا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا. وإنني أتمنى من الجهات الرسمية تجريم مثل هذه الأفعال، لما يترتب عليها من أضرار تعمّ البلد. نسأل الله السلامة والعافية.

157,962 views

شاعر تهامة لاحق بن قفران بن محمد آل جبر يُعدّ الشاعر لاحق بن قفران بن محمد آل جبر أحد الأصوات الشعرية المميزة في الشعر النبطي بجنوب المملكة، وشاعراً فحلاً جمع بين جزالة اللفظ، وقوة المعنى، وعمق التجربة، حتى غدا شعره مرآةً صادقةً لحياة البادية وأخلاق الرجال وحكمة الأيام. نشأ في ربوع تهامة جنب بن سعد، وعاش بين أوديتها وشعابها وجبالها وسهولها، فخالطت نفسه طبيعة المكان، واستمد من خشونة الحياة وقسوة الظروف صلابة العبارة وقوة الكلمة. ولم يكن شعره وليد التكلّف أو الصنعة، بل ثمرة تجربة طويلة ومعايشة مباشرة للناس والأحداث، لذلك جاء صادقاً مؤثراً، يحمل روح الأرض التي نشأ عليها. تلقى تعليمه حتى المرحلة المتوسطة، غير أن ثقافته الحقيقية تشكلت في مدرسة الحياة الواسعة؛ حيث المجالس، ومجالسة الرجال، وتأمل أحوال الناس، واستقراء تقلبات الزمن. فكوّن لنفسه شخصية شعرية مستقلة، تقوم على الحكمة والتأمل والنظر العميق في طبائع البشر. غلبت الحكمة على شعره، فكان ينثرها في أبياته بأسلوب بعيد عن الوعظ المباشر، قريب من الفطرة والواقع، ومن أجمل ما يُروى عنه قوله: الله ياكثر الكلام اللي يمر الأذان ثلثٍ مناسب وثلثين اطحنه واعجنه ما فيه سجنٍ مناسب مثل سجن اللسان اللي قدر في لسانه يسجنه يسجنه فهذه الأبيات تكشف جانباً من فلسفته في الحياة؛ إذ يرى أن أكثر الكلام لا يستحق أن يُتداول، وأن ضبط اللسان وحسن التعامل مع الناس من أعظم مكارم الأخلاق وأقوى أسباب السلامة. ويتميّز شعر لاحق آل جبر بخصائص فنية واضحة، من أبرزها: جزالة الألفاظ وقوة السبك. سلامة البناء الشعري ومتانة التراكيب. كثافة المعاني والحكم المستنبطة من التجربة. الابتكار في الصورة الشعرية. القدرة على توظيف البيئة التهامية في التعبير الشعري. البعد عن التقليد واستحضار رؤى جديدة وغير مألوفة. فهو شاعر لا يكتفي بترديد المعاني المستهلكة، بل يسعى إلى بناء صور شعرية مبتكرة وأفكار متجددة تعكس رؤية خاصة للحياة والإنسان، ولذلك ظل شعره محتفظاً بطزاجته وقوته وتأثيره. ولم تغادر تهامة وجدانه كما ذكر لي رغم امتلاكه منازل في سراة عبيدة وأحد رفيدة، فقد ظل شديد التعلق بموطن نشأته ومرابع صباه في الثافرة التهامية الواقعة على وادي بيشة التهامي، أحد الروافد المهمة لوادي بيش الكبير. وكان كثيراً ما يؤثر العزلة هناك، مستعيداً ذكريات البدايات، ومستمداً من المكان صفاء الرؤية وقوة الإلهام. وقد تركت تلك البيئة أثرها الواضح في شخصيته وشعره؛ فكما جاءت أودية تهامة واسعة الامتداد، جاءت معانيه رحبةً عميقة، وكما اتسمت جبالها بالشموخ والقوة، اتسم شعره بالمتانة والجزالة، حتى أصبح من الشعراء الذين يُعرفون بخصوصية الأسلوب وقوة الحضور. إن لاحق بن قفران آل جبر شاعر من أولئك الشعراء الذين لا يُعرفون بكثرة القول، بل بقيمة ما يقولون؛ شاعر صاغته الأرض، وهذبته التجربة، وصقلته الأيام، فخرج شعره نابعاً من قلب الحياة، حاملاً الحكمة في ثوبٍ شعريٍّ جزل، يجمع بين الأصالة والإبداع، ويستحق أن يُذكر في طليعة شعراء تهامة المعاصرين الذين حفظوا للشعر النبطي هيبته وجزالته وعمق رسالته. كتبه عبدالله بن علي آل موسى

شاعر تهامة لاحق بن قفران بن محمد آل جبر يُعدّ الشاعر لاحق بن قفران بن محمد آل جبر أحد الأصوات الشعرية المميزة في الشعر النبطي بجنوب المملكة، وشاعراً فحلاً جمع بين جزالة اللفظ، وقوة المعنى، وعمق التجربة، حتى غدا شعره مرآةً صادقةً لحياة البادية وأخلاق الرجال وحكمة الأيام. نشأ في ربوع تهامة جنب بن سعد، وعاش بين أوديتها وشعابها وجبالها وسهولها، فخالطت نفسه طبيعة المكان، واستمد من خشونة الحياة وقسوة الظروف صلابة العبارة وقوة الكلمة. ولم يكن شعره وليد التكلّف أو الصنعة، بل ثمرة تجربة طويلة ومعايشة مباشرة للناس والأحداث، لذلك جاء صادقاً مؤثراً، يحمل روح الأرض التي نشأ عليها. تلقى تعليمه حتى المرحلة المتوسطة، غير أن ثقافته الحقيقية تشكلت في مدرسة الحياة الواسعة؛ حيث المجالس، ومجالسة الرجال، وتأمل أحوال الناس، واستقراء تقلبات الزمن. فكوّن لنفسه شخصية شعرية مستقلة، تقوم على الحكمة والتأمل والنظر العميق في طبائع البشر. غلبت الحكمة على شعره، فكان ينثرها في أبياته بأسلوب بعيد عن الوعظ المباشر، قريب من الفطرة والواقع، ومن أجمل ما يُروى عنه قوله: الله ياكثر الكلام اللي يمر الأذان ثلثٍ مناسب وثلثين اطحنه واعجنه ما فيه سجنٍ مناسب مثل سجن اللسان اللي قدر في لسانه يسجنه يسجنه فهذه الأبيات تكشف جانباً من فلسفته في الحياة؛ إذ يرى أن أكثر الكلام لا يستحق أن يُتداول، وأن ضبط اللسان وحسن التعامل مع الناس من أعظم مكارم الأخلاق وأقوى أسباب السلامة. ويتميّز شعر لاحق آل جبر بخصائص فنية واضحة، من أبرزها: جزالة الألفاظ وقوة السبك. سلامة البناء الشعري ومتانة التراكيب. كثافة المعاني والحكم المستنبطة من التجربة. الابتكار في الصورة الشعرية. القدرة على توظيف البيئة التهامية في التعبير الشعري. البعد عن التقليد واستحضار رؤى جديدة وغير مألوفة. فهو شاعر لا يكتفي بترديد المعاني المستهلكة، بل يسعى إلى بناء صور شعرية مبتكرة وأفكار متجددة تعكس رؤية خاصة للحياة والإنسان، ولذلك ظل شعره محتفظاً بطزاجته وقوته وتأثيره. ولم تغادر تهامة وجدانه كما ذكر لي رغم امتلاكه منازل في سراة عبيدة وأحد رفيدة، فقد ظل شديد التعلق بموطن نشأته ومرابع صباه في الثافرة التهامية الواقعة على وادي بيشة التهامي، أحد الروافد المهمة لوادي بيش الكبير. وكان كثيراً ما يؤثر العزلة هناك، مستعيداً ذكريات البدايات، ومستمداً من المكان صفاء الرؤية وقوة الإلهام. وقد تركت تلك البيئة أثرها الواضح في شخصيته وشعره؛ فكما جاءت أودية تهامة واسعة الامتداد، جاءت معانيه رحبةً عميقة، وكما اتسمت جبالها بالشموخ والقوة، اتسم شعره بالمتانة والجزالة، حتى أصبح من الشعراء الذين يُعرفون بخصوصية الأسلوب وقوة الحضور. إن لاحق بن قفران آل جبر شاعر من أولئك الشعراء الذين لا يُعرفون بكثرة القول، بل بقيمة ما يقولون؛ شاعر صاغته الأرض، وهذبته التجربة، وصقلته الأيام، فخرج شعره نابعاً من قلب الحياة، حاملاً الحكمة في ثوبٍ شعريٍّ جزل، يجمع بين الأصالة والإبداع، ويستحق أن يُذكر في طليعة شعراء تهامة المعاصرين الذين حفظوا للشعر النبطي هيبته وجزالته وعمق رسالته. كتبه عبدالله بن علي آل موسى

18,481 views

Videos

abdulalmosa615's profile picture

معلّم رحل… وبقي قلبه في شمران قبل أكثر من نصف قرن، قدم المعلّم الفلسطيني شفيق عبدالله حامد، حاملًا جواز سفر أردنيًا، إلى المملكة العربية السعودية، ليبدأ رحلةً لم يكن يعلم أنها ستصبح جزءًا كبيرًا من عمره وذاكرته. حطّت به الرحال في بلاد شمران بمنطقة عسير، وهناك لم يكن مجرد معلّم يؤدي رسالته ثم يمضي، بل أصبح مع تعاقب السنين واحدًا من أهل المكان، يعرفهم ويعرفونه، ويبادلهم المحبة والوفاء. عمل في مدرسة أدمة شمران الابتدائية، وقضى في بلاد شمران أكثر من ثلاثين عامًا، تعاقبت خلالها أجيال من الطلاب بين يديه، حتى غدت شمران وطنًا ثانيًا له، وأصبح أهلها أهلاً وأحبةً ورفاق عمر. ثم دارت الأيام، وجاء الرحيل إلى الأردن، لكن الجسد وحده هو الذي رحل؛ أما القلب، فظل معلقًا بتلك الديار وأهلها وذكرياتها. وقبل وفاته، فاض به الحنين، فودّع شمران وأهلها بقصيدة مؤثرة، كأنها رسالة أخيرة من رجل أدرك أن المسافات قد تحول بينه وبين من أحب، وأن العمر ربما لا يمهله للقاء آخر. فسكب في أبياتها شوق السنين ومرارة الفراق، حتى ختمها بالحديث عن النهاية التي لا مفر منها. قال رحمه الله: سقاك الله يا شمران مغنى على أوتار قلبي ذبت لحنا رضعت هواك يا شمران طفلاً وها قد شابت الدنيا وشبنا تقادمت العهود بنا ولكن لواعج شوقنا تنساب مزنا يحن لساكني شمران قلبي وكّنا عن هوى شمران تبنا أسائل ساري السخماتي عنهم أذوب لبعدهم كمداً وحزنا يطول فراقهم ويزيد شوقي وكم من لوعة الهجران ذقنا فأرسلها دموعاً هاطلات فقلبي في هوى شمران جنّا قضيت العمر في هم وغم وترحال وفي قالوا وقلنا تكّدر عيشنا من بعد صفوا كأنا للمآسي قد خلقنا حياتي بعدكم لا خير فيها أبعد فراقكم للعيش معنى؟ عسى الرحمن يجمعنا قريباً وترحل سانحات الشؤم عنا وإن جرت الأمور بغير هذا فخطوا فوق قبري مات حزنا نهاية هذه الدنيا فراق وما فيها من اللذات يفنى رحم الله المعلّم شفيق عبدالله حامد؛ رحل بعيدًا عن شمران، لكن كلماته أعادته إليها. وما أجمل أن يترك المعلّم بعد رحيله أثرًا في تلاميذه، وذكرًا طيبًا في مجتمع عاش بين أهله، وقصيدةً تشهد أن بعض الأماكن لا نغادرها حقًا؛ نغادرها بأجسادنا، وتبقى أرواحنا معلّقةً بها حتى آخر العمر.

عبدالله ال موسى

36,214 views • 13 days ago

abdulalmosa615's profile picture

حين كانت الذبيحة تكفي الجميع أعود بذاكرتي أكثر من خمسين عاماً إلى الوراء، إلى زمنٍ كانت فيه البساطة عنوان الحياة، وكانت البركة تملأ الموائد، فلا إسراف ولا مباهاة، وإنما كرمٌ تحكمه الحكمة، وتباركه القناعة. في تلك الأيام، لم تكن المناسبات تُقام بما نشهده اليوم من كثرة الذبائح وتعدد الأطباق. كانت الذبيحة الواحدة تكفي الجماعة، وربما اكتفى المضيف بسدس ثور في بعض المناسبات، أما حفلات الزواج، وهي أكبر المناسبات، فكان عجلٌ أو ثورٌ واحد يكفي جميع الحاضرين، فيأكل الجميع ويشبعون، ولا يشعر أحد بأن نصيبه قد انتقص. ولم يكن اللحم يُقدَّم مع الأرز كما هو مألوف اليوم، بل كانت للضيافة طريقةٌ خاصة، توارثها الناس جيلاً بعد جيل. فقد كان اللحم يُقسَّم بعناية على يد رجلٍ اشتهر بحسن القسمة ودقة المعرفة، وليس كل أحد يحسن هذه المهمة. كان يعرف مواضع اللحم، وما يليق بكبار السن، وما يُقدَّم للضيوف، وما يُخصص للنساء، حتى إن نصيب النساء كان يُعزل لهن قبل بدء التوزيع. ثم يأتي دور رجل آخر يُعرف بـ المناول، وكانت مهمته لا تقل أهمية عن مهمة المقسم؛ فهو يعرف من يبدأ به، ويراعي مراتب الحاضرين وأعراف المجتمع، فيُناوِل كلَّ ذي حق حقَّه، وفق نظامٍ يحفظ التقدير ويُشعر الجميع بالاحترام. وما إن يفرغ الناس من اقتسام اللحم حتى يجتمعوا على الوجبة الرئيسة، وكانت غالباً تتكون من العصيد والمرق، يجلسون إليها في مجموعات متتابعة تُعرف بـ الثِّبَات. وما يلفت النظر أنهم لم يكونوا يطيلون الجلوس على الطعام، بل يأكلون حاجتهم في هدوء ووقار، فإذا نهض كبير المجموعة قام الجميع من بعده، لتأتي ثِبَة أخرى فتفعل مثل فعلهم، حتى ينال الجميع نصيبهم من الضيافة دون تزاحم أو تكلف. وكان ما بقي من الطعام لا يعرف طريقه إلى الهدر، بل يُحمل إلى جيران المضيف وأهل الحي، فيتقاسمون الخير كما تقاسموا المودة، فلا يُرمى شيء من الذبيحة، ولا يُهدر شيء من النعمة. ولعل هذا هو السر فيما كانوا يجدونه من بركة في مطعومهم ومشروبهم؛ فقد عاشوا على الاعتدال، وأخذوا من هدي الإسلام نصيباً وافراً، وكأنهم يطبقون قول النبي ﷺ: «بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه». رحم الله أولئك الرجال والنساء، فقد تركوا لنا صورةً ناصعةً لمجتمعٍ عرف معنى الكرم، فجمع بين حسن الضيافة، والاقتصاد في النفقة، وصيانة النعمة، واحترامها، فاستحقت حياتهم أن تُذكر بكل تقدير، وأن يُدعى لهم بالرحمة والمغفرة.

عبدالله ال موسى

146,080 views • 2 months ago

abdulalmosa615's profile picture

(من طفلٍ منكسر إلى طالبٍ متميز) قصة المعلم عوض الزايدي في صناعة الثقة وبناء الإنسان الأستاذ عوض الزايدي له قصة تربوية رواها الدكتور محمد الرشيد، وزير التعليم في حينه، قائلاً: قال، والكلام للمعلم عوض الزايدي: بداية القصة كانت حين كُلِّفت بتدريس مادة القرآن الكريم والتوحيد للصف الثالث الابتدائي قبل نهاية الفصل الدراسي الأول بشهر واحد. حينها طلبت من كل تلميذ أن يقرأ؛ حتى أعرف مستواهم، وبعدها أضع خطتي حسب المستوى الذي أجده عندهم. فلما وصل الدور إلى أحد التلاميذ، وكان قابعاً في آخر زاوية في الصف، قلت له: اقرأ. قال الجميع بصوت واحد: «ما يعرف، ما يعرف يا أستاذ!» فآلمني الكلام، وأوجعني منظر الطفل البريء الذي احمر وجهه، وأخذ العرق يتصبب منه. دق الجرس وخرج التلاميذ للفسحة، وبقيت مع هذا الطفل الذي آلمني وضعه، وتكلمت معه، أناقشه، لعلي أساعده. فاتضح لي أنه محبط، وغير واثق من قدراته، حتى هانت عليه نفسه؛ لأنه يرى أن جميع التلاميذ أحسن منه، وأنه لا يستطيع أن يقرأ مثلهم. ذهبت من فوري، وطلبت ملف هذا الطفل؛ لأطلع على حالته الأسرية، فوجدته من أسرة ميسورة، ويعيش مع أمه وأبيه وإخوته، وبيته مستقر. واستنتجت بعدها أن الدمار النفسي الذي يسيطر عليه ليس من البيت والأسرة، بل إنه من المدرسة، ويرجع السبب حتماً إلى موقف محرج عُرض له من معلم، أو زميل صده بعنف، أو تهكم على إجابته أو قراءته، شعر بعدها بهوان النفس والإحباط. وأخذت المواقف المحرجة والإحباطات تتراكم عليه في كل حصة من المعلمين والزملاء. عندها فكرت جدياً في انتشال هذا الطفل مما هو فيه، خاصة وأنني أعرف بحكم الخبرة مع الأطفال أن كل ذكي حساس، وكل ذكي مرهف المشاعر، ولا يدافع عن نفسه، ولا يدخل في مهاترات قد يكون بعدها أكثر خسارة. وبدأت معه خطتي، بأن غيرت مكان جلوسه، وأجلسته أمامي في الصف الأول، وقررت أن أعطي هذا التلميذ تميزاً لا يوجد إلا فيه وحده، ليتحدى به الجميع، وعندها تعود له ثقته بنفسه، ويشعر بقيمته وإنسانيته بين زملائه، خاصة بعد أن عرفت قوة ذكائه. كتبت له جملة صعبة النطق، وأفهمته معاني كلماتها، حتى يتخيلها فيسهل عليه حفظها. كنا نرددها ونحن صغار. كتبتها على ورقة صغيرة، ووضعت عليها الحركات، وقلت له: احفظ هذه الجملة غيباً بسرعة، ولا يطَّلع عليها أحد من أسرتك، ولا من زملائك. وراجعتها معه خلسة عن أعين التلاميذ حين خرجوا إلى الفسحة، إذ لم يكن هو حريصاً على الفسحة؛ لأنه ليس له صاحب ولا رفيق. وكنت قد عودت تلاميذي على أن أروي لهم قصة في نهاية كل حصة، شريطة أن يؤدوا كل ما أكلفهم به من حفظ وواجبات. وإذا تعثر بعضهم أو أحدهم في الحفظ أو الواجب، منعت عنهم القصة، ليساعدوا زميلهم المتعثر في حفظه أو واجبه، ويعاتبوه؛ لأنه ضيَّع عليهم القصة. بعدها التزم الجميع بواجباتي لهم؛ حفاظاً على رضاي، وتشوقاً إلى استمرار القصة. وفي أحد الأيام، وبعد أن قام الجميع بالتسميع، طلبوا مني إكمال قصة الأمس، فقلت لهم: إلى أين وصلنا فيها؟ قالوا: وصلنا عند السيدة حليمة السعدية، مرضعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ديار بني سعد. ماذا حدث بعد ذلك؟ فقلت لهم: لن أكملها لكم اليوم. فتساءلوا جميعاً: لماذا يا أستاذ؟ كلنا أدينا التسميع والواجبات! قلت لهم: عندي قصة جديدة، أرويها لكم اليوم فقط، وغداً نعود لإكمال قصة الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم -. قالوا: وما هي؟ فسردت عليهم قصة من خيالي، من أجل أن أُدخل فيها الجملة الصعبة التي حفظها ذلك الطالب وفهمها سلفاً. وقلت لهم: إن هناك جماعة يسكنون قرية واحدة، يقال لهم «القراقبة». كانوا يحتفلون بعيد الأضحى، ويذبحون فيه البقر، ويتفاخرون بذبائحهم، حتى إن كل واحد منهم يربي بقرته من شهر الحج إلى شهر الحج سنة كاملة، يغذيها بأجود الأعلاف؛ حتى تكون سمينة. وكان عند «علي القرقبي» بقرة يربطها أمام باب بيته في القرية، وكانت أكبر وأسمن بقرة في القرية كلها، والكل يتمنون متى يأتي الحج، وتذبح هذه البقرة، ليشربوا من مرقها ويأكلوا من لحمها. ولكن المشكلة أن أهل القرية عندهم عادة، هي أنهم إذا ذبحوا الأضاحي يطبخون رقابها، ويضعون المرق في أوانٍ، تجمع في المكان الذي يتعايدون فيه. فدخل الشباب وأخذوا يتذوقون المرق من كل إناء، فصاح أحدهم مفتخراً بذكائه: عرفتها، عرفتها! فقالوا له: ماذا عرفت؟ قال: «أنا عرفت مرقة رقبة بقرة علي القرقبي من بين مرق رقاب أبقار القراقبة.» وبعد هذه العبارة قلت لتلاميذي: من الذكي الذي يعيد هذه العبارة؟ فتفاجؤوا جميعاً، وطلبوا مني إعادتها، فأعدتها لهم، وقلت: من الذكي الذي يعيدها؟ فحاول رائد الصف، والذين يشعرون في أنفسهم بالتميز، فلم يستطيعوا إعادة حتى ثلاث كلمات منها. فقلت لهم: هذه لا يستطيع أن يقولها إلا ذكي فهم معناها، أين الذكي فيكم؟ (يتبع)

عبدالله ال موسى

40,456 views • 1 month ago

abdulalmosa615's profile picture

الطائف… مدينة “وَجّ” ومصيف العرب إذا ذُكرت الطائف، حضرت إلى الذهن مدينةٌ جمع الله لها اعتدال المناخ، وطيب الهواء، ووفرة المياه، وجودة الثمار، حتى غدت منذ القدم مصيفاً لأهل مكة وملاذاً للهاربين من حرها. ويُذكر أن الطائف في اللغة تعني العاس أو العسس الذي يطوف ليلاً لحراسة المنازل، بينما أورد ياقوت الحموي والقلقشندي أن اسمها القديم هو «وَجّ»، وهو الاسم الذي خلده الشعر العربي في غير موضع. ويصفها المقدسي في كتابه أحسن التقاسيم بقوله: «الطائف مدينة شامية الهواء، باردة الماء، كثيرة الفواكه، إذا تأذى ملوك مكة بالحر خرجوا إليها، حيث كانت مصيفاً لهم.» وقد تغنى بها الشعراء، ومن أجمل ما قيل فيها أبيات عروة بن حزام حين رأى حمامةً في بطن وج، فقال: أحقاً يا حمامةَ بطنِ وَجٍّ بهذا النوحِ أنكِ تصدُقينا غلبتُكِ بالبكاءِ بطنَ وَجٍّ أواصِلُهُ وأنكِ تهجعينا وإني إن بكيتُ بكيتُ حقًّا وإنكِ في بكائكِ تكذبينا فلستِ وإن بكيتِ أشدَّ شوقًا ولكنِّي أُسِرُّ وتُعلِنينا فنوحي يا حمامةَ بطنِ وَجٍّ فقد هيَّجتِ مشتاقًا حزينًا أما المشهد الظاهر في الفيديو، فيُجسد جانباً من هوية الطائف الزراعية؛ إذ تبدو صناديق الفاكهة وقد امتلأت بثمار المأنوس، في صورة تعكس وفرة الإنتاج وجودة المحصول، وحركة السوق النشطة في موسم القطاف. فهذه الأسواق لم تكن مجرد أماكن للبيع والشراء، بل كانت وما زالت عنواناً لخصوبة الطائف، ودليلاً على مكانتها الزراعية التي اشتهرت بها منذ قرون، حتى أصبحت فواكهها مقصداً للمتسوقين من مختلف مناطق المملكة. وليس غريباً أن يقال: إذا اجتمع اعتدال المناخ، وطيب الماء، وخصوبة الأرض، أثمرت الطائف أجود الثمار، واستحقت أن تكون مصيفاً ومزرعةً وواحةً للجمال في آنٍ واحد.

عبدالله ال موسى

29,623 views • 2 months ago

abdulalmosa615's profile picture

#وقفة حين أُعلن عن إدراج طريق أبو هريرة بالمنسك ضمن مشروع أنسنة طرق أبها، استبشرنا خيرًا، إذ إن الأنسنة في جوهرها ليست تجميلاً شكليًا، بل إعادة تشكيل المدينة لتكون أكثر رحمة بالإنسان، وأقرب إلى احتياجاته النفسية والجسدية والاجتماعية. غير أن ما تحقق على أرض الواقع جاء على خلاف المأمول؛ فقد ضاقت الجزيرة الوسطية حتى كادت تختنق، وأصبح عرضها لا يتجاوز مترًا واحدًا، فيما تمددت فروع شجرة الأكاسيا – على جمالها – لتتداخل مع مسار الطريق، مهددة السلامة ومربكة الحركة. أما المواقف التي كانت تتيح للمتسوقين الوقوف بسهولة أمام المحلات، فقد تحولت من عرضية ميسّرة إلى طولية ضيقة لا تتسع حتى للمركبات المتوسطة، فضلًا عن الكبيرة. كما تقلّص الطريق من ثلاثة مسارات إلى مسارين، فاختنقت الحركة، وتعطلت المصالح. النتيجة لم تكن مجرد إزعاج عابر، بل أثر مباشر على حياة الناس؛ كمستهلك عزفت عن التسوق في هذا الطريق، وكثير غيري فعلوا الشيء ذاته، فخسرت المحلات زبائنها، وتضرر المستثمر، وامتد الضرر ليطال المالك مع ركود الحركة التجارية. إن الأنسنة التي تُغفل الإنسان، تفقد معناها، وتتحول إلى عبء بدل أن تكون نعمة. والحل واضح لا يحتمل التأجيل: مراجعة هذا التنفيذ وتصحيح مساره، فالتراجع عن الخطأ فضيلة، والإصرار عليه خسارة مضاعفة.

عبدالله ال موسى

33,988 views • 5 months ago

abdulalmosa615's profile picture

قصة قصيرة في محافظة سراة عبيدة، وقبل قرابة مائة عام، كان لأحد أهل السراة صديقٌ من البادية. وكان ذلك في زمنٍ كثرت فيه الأمطار، واخضرّت الأرض، وعمّ الخير، حتى أصبحت البادية في أبهى أحوالها؛ كثر الدَّرّ، وفاض السمن، وغزر اللبن، وسمنت المواشي، وبيعت بأثمانٍ مجزية، فعاش أهلها في رغدٍ وسعة. وفي تلك الأيام، زار الرجل البدوي صديقه السروي، فاستقبله وأكرمه، وقدّم له «قُرصًا من البُرّ»، وكان يُعدّ آنذاك من الضيافة الكريمة في الحاضرة، لشُحّ الموارد مقارنةً بالبادية. غير أن البدوي لم يرضَ بهذا القُرص وحده، إذ اعتاد في زمن الخصب أن يُؤكل بالسمن، فأبى أن يتناوله دون ذلك، رغم اعتذار السروي وبيانه أنه لا يملك غيره. ولمّا رأى السروي إصرار ضيفه، احتفظ بالقُرص ودفنه بين التبن، ومضى الزمن. وبعد عام، تغيّرت الأحوال؛ إذ أصابت البادية سنةٌ قاسية، أكلت الأخضر واليابس، وهلكت المواشي، وجفّ اللبن، وتحولت حياة أهلها إلى ضيقٍ وفقرٍ شديد. وفي تلك الظروف، عاد الرجل البدوي لزيارة صديقه السروي، فاستقبله كعادته، ثم أخرج ذلك القُرص القديم من التبن، وطلب من زوجته أن تُنقّعه في ماءٍ دافئ، ثم تُسخّنه على النار حتى يلين. وبعدها قدّمه لضيفه، فأكله البدوي شاكرًا حامدًا، وقد بدا عليه الرضا بهذه الوجبة. حينها قال له السروي عبارته التي بقيت تُروى على ألسنة أهل السراة: «هذا قُرصك عاما» أي: هذا هو القُرص الذي تعفّفت عنه في العام الماضي. وهكذا تختصر القصة معنى عظيمًا: أن النعمة لا تُعرف إلا عند فقدها، وأن الرضا بما تيسّر هو الغنى الحقيقي. تذكرت القصة عندما شاهدت الفيديو أدناه وكأنه يحكي قصة السروي مع البدوي.

عبدالله ال موسى

27,458 views • 6 months ago

abdulalmosa615's profile picture

شاعر تهامة لاحق بن قفران بن محمد آل جبر يُعدّ الشاعر لاحق بن قفران بن محمد آل جبر أحد الأصوات الشعرية المميزة في الشعر النبطي بجنوب المملكة، وشاعراً فحلاً جمع بين جزالة اللفظ، وقوة المعنى، وعمق التجربة، حتى غدا شعره مرآةً صادقةً لحياة البادية وأخلاق الرجال وحكمة الأيام. نشأ في ربوع تهامة جنب بن سعد، وعاش بين أوديتها وشعابها وجبالها وسهولها، فخالطت نفسه طبيعة المكان، واستمد من خشونة الحياة وقسوة الظروف صلابة العبارة وقوة الكلمة. ولم يكن شعره وليد التكلّف أو الصنعة، بل ثمرة تجربة طويلة ومعايشة مباشرة للناس والأحداث، لذلك جاء صادقاً مؤثراً، يحمل روح الأرض التي نشأ عليها. تلقى تعليمه حتى المرحلة المتوسطة، غير أن ثقافته الحقيقية تشكلت في مدرسة الحياة الواسعة؛ حيث المجالس، ومجالسة الرجال، وتأمل أحوال الناس، واستقراء تقلبات الزمن. فكوّن لنفسه شخصية شعرية مستقلة، تقوم على الحكمة والتأمل والنظر العميق في طبائع البشر. غلبت الحكمة على شعره، فكان ينثرها في أبياته بأسلوب بعيد عن الوعظ المباشر، قريب من الفطرة والواقع، ومن أجمل ما يُروى عنه قوله: الله ياكثر الكلام اللي يمر الأذان ثلثٍ مناسب وثلثين اطحنه واعجنه ما فيه سجنٍ مناسب مثل سجن اللسان اللي قدر في لسانه يسجنه يسجنه فهذه الأبيات تكشف جانباً من فلسفته في الحياة؛ إذ يرى أن أكثر الكلام لا يستحق أن يُتداول، وأن ضبط اللسان وحسن التعامل مع الناس من أعظم مكارم الأخلاق وأقوى أسباب السلامة. ويتميّز شعر لاحق آل جبر بخصائص فنية واضحة، من أبرزها: جزالة الألفاظ وقوة السبك. سلامة البناء الشعري ومتانة التراكيب. كثافة المعاني والحكم المستنبطة من التجربة. الابتكار في الصورة الشعرية. القدرة على توظيف البيئة التهامية في التعبير الشعري. البعد عن التقليد واستحضار رؤى جديدة وغير مألوفة. فهو شاعر لا يكتفي بترديد المعاني المستهلكة، بل يسعى إلى بناء صور شعرية مبتكرة وأفكار متجددة تعكس رؤية خاصة للحياة والإنسان، ولذلك ظل شعره محتفظاً بطزاجته وقوته وتأثيره. ولم تغادر تهامة وجدانه كما ذكر لي رغم امتلاكه منازل في سراة عبيدة وأحد رفيدة، فقد ظل شديد التعلق بموطن نشأته ومرابع صباه في الثافرة التهامية الواقعة على وادي بيشة التهامي، أحد الروافد المهمة لوادي بيش الكبير. وكان كثيراً ما يؤثر العزلة هناك، مستعيداً ذكريات البدايات، ومستمداً من المكان صفاء الرؤية وقوة الإلهام. وقد تركت تلك البيئة أثرها الواضح في شخصيته وشعره؛ فكما جاءت أودية تهامة واسعة الامتداد، جاءت معانيه رحبةً عميقة، وكما اتسمت جبالها بالشموخ والقوة، اتسم شعره بالمتانة والجزالة، حتى أصبح من الشعراء الذين يُعرفون بخصوصية الأسلوب وقوة الحضور. إن لاحق بن قفران آل جبر شاعر من أولئك الشعراء الذين لا يُعرفون بكثرة القول، بل بقيمة ما يقولون؛ شاعر صاغته الأرض، وهذبته التجربة، وصقلته الأيام، فخرج شعره نابعاً من قلب الحياة، حاملاً الحكمة في ثوبٍ شعريٍّ جزل، يجمع بين الأصالة والإبداع، ويستحق أن يُذكر في طليعة شعراء تهامة المعاصرين الذين حفظوا للشعر النبطي هيبته وجزالته وعمق رسالته. كتبه عبدالله بن علي آل موسى

عبدالله ال موسى

18,481 views • 4 months ago